تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
والحساب والعقاب ، وهم عن ذلك معرضون . وقوله : * ( مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمََلإِ الاْعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * : احتجاج على قريش بأن ما جاء به من عند الله لا من قبل نفسه . فإن من في الأرض ما له علم بمن في السماء إلا بإعلام الله تعالى ؛ وعلم المغيبات لا يوصل إليه إلا بإعلام الله تعالى ، وعلمه بأحوال أهل النار ، وابتداء خلق آدم لم يكن عنه علم بذلك ؛ فإخباره بذلك هو بإعلام الله والاستدلال بقصة آدم ، لأنه أول البشر خلقاً ، وبينه وبين الرسول عليه السلام أزمان متقادمة وقرون سالفة . انتهى ، وفي آخره بعض اختصار . ثم احتج بصحة نبوته ، بأن ما ينبئ به عن الملأ الأعلى واختصامهم أمر لم يكن به به من علم قط . ثم علمه من غير الطريق الذي يسلكه المتعلمون ، بل ذلك مستفاد من الوحي ، وبالملأ متعلق بعلم ، وإذ منصوب به . وقال الزمخشري : بمحذوف ، لأن المعنى : ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم . * ( وَإِذْ قَالَ ) * بدل من * ( إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * على الملأ الأعلى ، وهم الملائكة ، وأبعد من قال إنهم قريش ، واختصام الملائكة في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض . وقالوا : * ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) * . قال ابن عباس : وقال الحسن : إن الله خالق خلقاً كنا أكرم منه وأعلم . وقيل : في الكفارات وغفر الذنوب ، فإن العبد إذا عمل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما يشاء . وفي الحديث : ( قال له ربه في نومه ، عليه السلام : فيم يختصمون ؟ فقلت : لا أدري ، فقال : في الكفارات وفي إسباغ الوضوء في السرات ونقل الخطأ إلى الجماعات ) . وقال الزمخشري : كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك ، وكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط ، فيصح أن التقاول بين الملائكة وآدم وإبليس ، وهم الملأ الأعلى ؛ والمراد بالاختصام : التقاول . وقيل : الملأ الأعلى : الملائكة ، وإذ يختصمون : الضمير فيه للعرب الكافرين ، فبعضهم يقول : هي بنات الله ، وبعضهم : آلهة تعبد ، وغير ذلك من أقوالهم . * ( ءانٍ * يُوحِى إِلَىَّ ) * : أي ما يوحى إليّ ، * ( أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ ) * : أي للإنذار ، حذف اللام ووصل الفعل والمفعول الذي لم يسم فاعله يجوز أن يكون ضميراً يدل عليه ، المعنى ، أي أن يوحى إليّ هو ، أي ما يوحى إلا الإنذار ، وأقيم إلى مقامه ، ويجوز أن يكون إنما هو المفعول الذي لم يسم فاعله ، أي ما يوحى إليّ إلا الإنذار . وقرأ أبو جعفر : إلا إنما ، بكسر همزة إنما على الحكاية ، أي ما يوحى إليّ إلا هذه الجملة ، كأن قيل له : أنت نذير مبين ، فحكى هو المعنى ، وهذا كما يقول الإنسان : أنا عالم ، فيقال له : قلت إنك عالم ، فيحكى المعنى . وقال الزمخشري : وقرئ إنما بالكسر على الحكاية ، أي إلا هذا القول ، وهو أن أقول لكم * ( أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * ، فلا أدعي شيئاً آخر . انتهى . في تخريجه تعارض ، لأنه قال : أي إلا هذا القول ، فظاهره الجملة التي هي * ( أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * ، ثم قال : وهو أن أقول لكم إني نذير ، فالمقام مقام الفاعل هو أن أقول لكم ، وأن وما بعده في موضع نصب ، وعلى قوله : إلا هذا القول ، يكون في موضع رفع فيتعارضا . وتقدم أن ، إذ قال بدل من : إذ يختصمون ، هذا إذا كانت الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض ، وعلى غيره من الأقوال يكون منصوباً باذكر . ولما كانت قريش ، خالفوا الرسول ، عليه السلام ، بسبب الحسد والكبر . ذكر حال إبليس ، حيث خالف أمر الله بسبب الحسد والكبر وما آل إليه من اللعنة والطرد من رحمة الله ، ليزدجر عن ذلك من فيه شيء منهما . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف صح أن يقول لهم : * ( إِنّى خَالِقٌ بَشَرًا ) * ، وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل ؟ قلت : وجهه أن يكون قد قال لهم : إني خالق خلقاً من صفة كيت وكيت ، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم . انتهى . والبشر هو آدم عليه السلام ، وذكر هنا أنه خلقه من طين ، وفي آل عمران : * ( خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ) * ، وفي الحجر : * ( مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) * ، وفي الأنبياء : * ( مِنْ عَجَلٍ ) * ؛ ولا منافاة في تلك المادة البعيدة ، وهي التراب ، ثم ما يليه وهو الطين ، ثم ما يليه وهو الحمأ المسنون ، ثم المادة تلي الحمأ وهو الصلصال ؛ وأما من عجل