توبيخ وتوقيف وتقرير ، وما مصدرية ظرفية ، أي مدة يذكر . وقرأ الجمهور : * ( مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ) * . وقرأ الأعمش : ما يذكر فيه ، من اذكر ، بالادغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدرج . وهذه المدة ، قال الحسن : البلوغ ، يريد أنه أول حال التذكر ، وقيل : سبع عشرة سنة . وقال قتادة : ثمان عشرة سنة . وقال عمر بن عبد العزيز : عشرون . وقال ابن عباس : أربعون ؛ وقيل : خمسون . وقال علي : ستون ، وروي ذلك عن ابن عباس . * ( وَجَاءكُمُ ) * معطوف على * ( أَوَ لَمْ * نُعَمّرْكُمْ ) * ، لأن معناه : قد عمرناكم ، كقوله : * ( أَلَمْ نُرَبّكَ * بِكَ * فِينَا وَلِيداً ) * ، وقوله : * ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) * ، ثم قال : * ( وَلَبِثْتَ فِينَا ) * وقال * ( وَوَضَعْنَا ) * ، لأن المعنى قدر بيناك وشرحنا . والنذير جنس ، وهم الأنبياء ، كل نبي نذير أمته . وقرئ : النذر جمعاً ، وقيل : النذير : الشيب ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وسفيان ، ووكيع ، والحسن بن الفضل ، والفراء ، والطبري . وقيل : موت الأهل والأقارب ؛ وقيل : كمال السفل .
فذوقوا ) * : أي عذاب جهنم . وقرأ جناح بن حبيش : عالم منوناً ، غيب نصباً ؛ والجمهور : على الإضافة . ومجئ هذه الجملة عقيب ما قبلها هو أنه تعالى ذكر أن الكافرين يعذبون دائماً مدة كفرهم . كانت مدة يسيرة منقطعة ، فأخبر أنه تعالى * ( * ) * : أي عذاب جهنم . وقرأ جناح بن حبيش : عالم منوناً ، غيب نصباً ؛ والجمهور : على الإضافة . ومجئ هذه الجملة عقيب ما قبلها هو أنه تعالى ذكر أن الكافرين يعذبون دائماً مدة كفرهم . كانت مدة يسيرة منقطعة ، فأخبر أنه تعالى * ( عَالِمُ غَيْبِ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * ، فلا يخفى عليه ما تنطوي عليه الصدور من المضمرات . وكان يعلم من الكافر أنه تمكن الكفر في قلبه ، بحيث لو دام إلى الأبد ما آمن بالله ولا عبده . وخلائف : جمع خليفة ، وخلفاء : جمع خليف ويقال للمستخلف : خليفة وخليف ، وفي هذا تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدل من كان قبلهم ، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من مكذبي الرسل وما حل بهم من الهلاك ، ولا اعتبروا بمن كفر ، ولم يتعظوا بمن تقدم . * ( فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) * : أي عقاب كفره ، والظاهر أنه خطاب عام ؛ وقيل : لأهل مكة . والمقت : أشد الاحتقار والبغض والغضب ، والخسار : خسار العمر . كان العمر رأس مال ، فإن انقضى في غير طاعة الله ، فقد خسره واستعاض به بدل الربح بما يفعل من الطاعات سخط الله وغضبه ، بحيث صاروا إلى النار .
* ( قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ ) * ، قال الحوفي : ألف الاستفهام ذلك للتقرير ، وفي التحرير : أرأريتم : المراد منه أخبروني ، لأن الاستفهام يستدعي ذلك . يقول القائل : أرأيت ماذا فعل زيد ؟ فيقول السامع : باع واشترى ، ولولا تضمنه معنى أخبروني لكان الجواب نعم أو لا . وقال ابن عطية : أرأيتم ينزل عند سيبويه منزلة أخبروني . وقال الزمخشري : أروني بدل من أرأيتم لأن معنى أرأيتم أخبروني ، كأنه قال : أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعن ما استحقوا به الإلهية والشركة ، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله ، أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات ؟ أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه ؟ فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب ، أو يكون الضمير في * ( ءاتَيْنَاهُمُ ) * للمشركين لقوله : * ( أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ) * ، * ( أَمْ ءاتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مّن قَبْلِهِ ) * .
* ( بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم ) * : وهم الرؤساء ، * ( بَعْضًا ) * : وهم الأتباع ، * ( إِلاَّ غُرُوراً ) * وهو قولهم : * ( هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ) * . انتهى . أما قوله * ( أَرُونِىَ ) * بدل من * ( أَرَءيْتُمْ ) * فلا يصح ، لأنه إذا أبدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الأداة على البدل ، وأيضاً فإبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم ، ثم البدل على نية تكرار العامل ، ولا يتأتى ذلك هنا ، لأنه لا عامل في أرأيتم فيتخيل دخوله على أروني . وقد تكلمنا في الأنعام على أرأيتم كلاماً شافياً . والذي أذهب إليه أن أرأيتم بمعنى أخبرني ، وهي تطلب مفعولين : أحدهما منصوب ، والآخر مشتمل على استفهام . تقول العرب : أرأيت زيداً ما صنع ؟ فالأول هنا هو * ( شُرَكَاءكُمُ ) * ، والثاني * ( مَاذَا خَلَقُواْ ) * ، وأروني جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد . ويحتمل أن يكون ذلك أيضاً من باب الإعمال ، لأنه توارد على ماذا حلقوا ، أرأيتم وأروني ، لأن أروني قد تعلق على مفعولها في قولهم : أما ترى ، أي ترى هاهنا ، ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين . وقيل : يحتمل أن يكون أرأيتم استفهاماً حقيقياً ، وأروني أمر تعجيز للتبيين ، أي أعملتم هذه التي تدعونها كما هي وعلى ما هي عليه من العجز ، أو تتوهمون فيها قدرة ؟ فإن كنتم تعلمونها
تفسير البحر المحيط — صفحة 302
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٠٢