لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين . وكان هذا من قبيل كان في قوله * ( مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ) * * ( مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَاذَا ) * انتهى . ونص سيبويه على أن اسم كان وخبرها إذا كانتا معرفتين فأنت بالخيار في جعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر من غير اعتبار شرط في ذلك ولا اختيار .
وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس * ( لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) * مبنياً للمفعول ، والمفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير المصدر أي * ( لِيَحْكُمَ ) * هو أي الحكم ، والمعنى ليفعل الحكم * ( بَيْنَهُمْ ) * ومثله قولهم : جمع بينهما وألف بينهما وقوله تعالى * ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ ) * . قال الزمخشري : ومثله * ( لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) * فيمن قرأ * ( بَيْنِكُمْ ) * منصوباً أي وقع التقطع بينكم انتهى . ولا يتعين ما قاله في الآية إذ يجوز أن يكون الفاعل ضميراً يعود على شيء قبله وتقدم الكلام في ذلك في موضعه .
* ( أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا ) * أي قول الرسول * ( وَأَطَعْنَا ) * أي أمره . وقرئ * ( وَيَتَّقْهِ ) * بالإشباع والاختلاس والإسكان . وقرئ * ( وَيَتَّقْهِ ) * بسكون القاف وكسر الهاء من غير إشباع أجرى خبر كان المنفصل مجرى المتصل ، فكما يسكن علم فيقال علم كذلك سكن ويتقه لأنه تقه كعلم وكما قال السالم :
* قالت سليمى اشتر لنا سويقاً يريد اشتر لنا * ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ) * في فرائضه * ( وَرَسُولُهُ ) * في سننه و * ( يَخْشَى اللَّهَ ) * على ما مضى من ذنوبه * ( وَيَتَّقْهِ ) * فيما يستقبل . وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه .
*
ولما بلغ المنافقين ما أنزل تعالى فيهم أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ) وأقسموا إلى آخره أي * ( لَيُخْرِجَنَّ ) * عن ديارهم وأموالهم ونسائهم و * ( لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ) * بالجهاد * ( لَيُخْرِجَنَّ ) * إليه وتقدم الكلام في * ( جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) * في الأنعام . ونهاهم تعالى عن قسمهم لعلمه تعالى أنه ليس حقاً . * ( طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ) * أي معلومة لا شك فيها ولا يرتاب ، كطاعة الخلص من المؤمنين المطابق باطنهم لظاهرههم ، لا أيمان تقسموا بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها ، أو طاعتكم طاعة معروفة بالقول دون الفعل ، أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة قاله الزمخشري . وقال ابن عطية : يحتمل معاني .
أحدها : النهي عن القسم الكاذب إذ قد عرف أن طاعتهم دغلة رديئة فكأنه يقول : لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه .
والثاني : لا تتكلفوا القسم طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم ، وفي هذا الوجه إبقاء عليهم .
والثالث : لا تقنعوا بالقسم طاعة تعرف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم .
والرابع : لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسمة طاعة الله معروفة وجهاد عدوه مهيع لائح انتهى .
و * ( طَاعَةٌ ) * مبتدأ و * ( مَّعْرُوفَةٌ ) * صفة والخبر محذوف ، أي أمثل وأولى أو خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا أو المطلوب * ( طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ) * . وقال أبو البقاء : ولو قرىء بالنصب لكان جائزاً في العربية وذلك على المصدر أي أطيعوا طاعة انتهى . وقدراه بالنصب زيد بن عليّ واليزيدي وتقدير بعضهم الرفع على إضمار ولتكن * ( طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ) * ضعيف لأنه لا يحذف الفعل ويبقى الفاعل ، إلاّ إذا كان ثم مشعر به نحو * ( رِجَالٌ ) * بعد * ( يُسَبّحُ ) * مبنياً للمفعول أي يسبحه رجال ، أو يجاب به نفي نحو : بلى زيد لمن قال : ما جاء أحد . أو استفهام نحو قوله :
* ألا هل أتى أم الحويرث مرسل
*
بلى خالد إن لم تعقه العوائق
*
أي أتاها خالد . * ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * أي مطلع على سرائركم ففاضحكم . والتفت من الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في تبكيتهم .
ولما بكتهم بأن مطلع على سرائرهم تلطف بهم فأمرهم بطاعة الله والرسول وهو أمر عام للمنافقين وغيرهم . * ( فَإِن تَوَلَّوْاْ ) * أي فإن تتولوا . * ( فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ) * أي على الرسول * ( مَا حُمّلَ ) * وهو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في إنذارهم . * ( وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ ) * وهو السمع والطاعة واتّباع الحق . ثم علق هدايتهم على طاعته فلا يقع إلا بطاعته * ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) * تقدم الكلام على مثل هذه الجملة في المائدة .
روي أي بعض الصحابة شكا جهد
تفسير البحر المحيط — صفحة 430
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٣٠