بعنق بعض . وذلك باتصال الضمائر لشيء واحد ، ويكون هذا التشبيه مطابقاً لأعمالهم من حيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم تنفعهم وحصل لهم الهلاك بأثر ما حوسبوا . وأما في قول الزمخشري : فإنه وإن جعل الضمائر للظمآن لكنه جعل * ( الظَّمْانُ ) * هو الكافر وهو تشبيه الشيء بنفسه كما قال . وشبه الماء بعد الجهد بالماء . وأما في قول غيره : ففيه تفكيك الكلام إذ غاير بين الضمائر وانقطع ترصيف الكلام بجعل بعضه مفلتاً من بعض .
* ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ ) * هذا التشبيه الثاني لأعمالهم فالأول فيما يؤول إليه أعمالهم في الآخرة ، وهذا الثاني فيما هم عليه في حال الدنيا . وبدأ بالتشبيه الأول لأنه آكد في الإخبار لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمدي . ثم أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم عليه لعلهم يرجعون إلى الإيمان ويفكرون في نور الله الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، والظاهر أنه تشبيه لأعمالهم وضلالهم بالظلمات المتكاثفة .
وقال أبو علي الفارسي : التقدير أو كذي ظلمات ، قال : ودل على هذا المضاف قوله * ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ) * فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف ، فالتشبيه وقع عند أبي عليّ للكافر لا للأعمال وهو خلاف الظاهر ، ويتخيل في تقرير كلامه أن يكون التقدير أو هم كذي ظلمات فيكون التشبيه الأول لأعمالهم . والثاني لهم في حال ضلالهم . وقال أبو البقاء : في التقدير وجهان أحدهما : أو كأعمال ذي ظلمات ، فيقدر ذي ظلمات ليعود الضمير من قوله * ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ) * إليه ، ويقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات . والثاني : لا حذف فيه ، والمعنى أنه شبه أعمال الكفار بالظلمة في حيلولتها بين القلب وبين ما يهتدى إليه ، فأما الضمير في قوله * ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ) * فيعود إلى مذكور حذف اعتماداً على المعنى تقديره إذا أخرج من فيها يده .
وقال الجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار . والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضاً من أعمالهم ، وقد قال تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور . من الكفر إلى الإيمان ، فيكون التمثيل قد وقع لأعمالهم بكفر الكافر و * ( أَعْمَالَهُمْ ) * منها كفرهم ، فيكون قد شبه * ( أَعْمَالَهُمْ ) * بالظلمات ، والعطف بأو هنا لأنه قصد التنويع والتفصيل لا أن * ( أَوْ ) * للشك . وقال الكرماني : * ( أَوْ ) * للتخيير على تقدير شبه أعمال الكفار بأيهما شئت .
وقرأ سفيان بن حسين * ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ ) * بفتح الواو جعلها واو عطف تقدّمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه الخالي عن محض الاستفهام . والظاهر أن الضمير في * ( يَغْشَاهُ ) * عائد على * ( بَحْرٍ لُّجّىّ ) * أي يغشى ذلك البحر أي يغطي بعضه بعضاً ، بمعنى أن تجيء موجة تتبعها أخرى فهو متلاطم لا يسكن ، وأخوف ما يكون إذا توالت أمواجه ، وفوق هذا الموج * ( سَحَابٌ ) * وهو أعظم للخوف لإخفائه النجوم التي يهتدى بها ، وللريح والمطر الناشئين مع السحاب . ومن قدر أو كذي ظلمات أعاد الضمير في * ( يَغْشَاهُ ) * على ذي المحذوف ، أي يغشى صاحب الظلمات .
وقرأ الجمهور * ( سَحَابٌ ) * بالتنوين * ( ظُلُمَاتِ ) * بالرفع على تقدير خبر لمبتدأ محذوف ، أي هذه أو تلك * ( ظُلُمَاتِ ) * وأجاز الحوفي أن تكون مبتدأ و * ( بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) * مبتدأ وخبره في موضع خبر * ( ظُلُمَاتِ ) * . والظاهر أنه لا يجوز لعدم المسوغ فيه للابتداء بالنكرة إلاّ إن قدرت صفة محذوفة أي ظلمات كثيرة أو عظيمة * ( بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) * . وقرأ البزي * ( سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ) * بالإضافة . وقرأ قنبل * ( سَحَابٌ ) * بالتنوين * ( ظُلُمَاتِ ) * بالجر بدلاً من * ( ظُلُمَاتِ ) * و * ( بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) * مبتدأ وخبر في موضع الصفة لكظلمات .
قال الحوفي : ويجوز على رفع * ( ظُلُمَاتِ ) * أن يكون * ( بَعْضَهَا ) * بدلاً منها ، وهو لا يجوز من جهة المعنى لأن المراد والله أعلم الأخبار بأنها ظلمات ، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض أي هي ظلمات متراكمة وليس على الأخبار بأن بعض ظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلمات متراكمة . وتقدم الكلام في كاد إذا دخل عليها حرف نفي مشبعاً في البقرة في قوله * ( وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) * فأغنى عن إعادته ، والمعنى هنا انتفاء مقاربة الرؤية ، ويلزم من ذلك انتفاء الرؤية ضرورة وقول من اعتقد زيادة يكد أو أنه يراها بعد عسر ليس بصحيح ، والزيادة قول ابن الأنباري وأنه لم يرها إلاّ بعد الجهد قول المبرد والفراء .
وقال ابن عطية ما معناه : إذا كان الفعل بعد كان منفياً دل على ثبوته نحو كاد
تفسير البحر المحيط — صفحة 424
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٢٤