الزبير وأشياعه . و * ( الْغَافِلَاتِ ) * السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولا يفطنّ لما يفطن له المجريات ، كما قال الشاعر :
* ولقد لهوت بطفلة ميالة
*
بلهاء تطلعني على أسرارها
*
وكذلك البله من الرجال في قوله ( أكثر أهل الجنة البله ) . * ( لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ ) * في قذف المحصنات . قيل : هذا الاستثناء بالتوبة وفي هذه لم يجيء استثناء . وعن ابن عباس أن من خاض في حديث الإفك وتاب لم تقبل توبته ، والصحيح أن الوعيد في هذه الآية مشروط بعدم التوبة ، ولا فرق بين الكفر والفسق وأن من تاب غفر له . ويناسب أن تكون هذه الآية كما قيل نزلت في مشركي مكة ، كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا : خرجت لتفجر قاله أبو حمزة اليماني ، ويؤيده قوله * ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ) * وعن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أُبَيّ كان يشك في الدين فإذا كان يوم القيامة علم حيث لا ينفعه . والناصب ليوم تشهد ما تعلق به الجار والمجرور وهو ولهم . وقال الحوفي : العامل فيه عذاب ، ولا يجوز لأنه موصوف إلاّ على رأي الكوفيين . وقرأ الأخوان والزعفراني وابن مقسم وابن سعدان يشهد بياء من تحت لأنه تأنيث مجازي ، ووقع الفصل ، وباقي السبعة بالتاء ، ولما كان قلب الكافر لا يريد ما يشهد به أنطق الله الجوارح والألسنة والأيدي والأرجل بما عملوا في الدنيا وأقدرها على ذلك ، وليست الحياة شرطاً لوجود الكلام . وقالت المعتزلة : يخلق في هذه الجوارح الكلام ، وعندهم المتكلم فاعل الكلام فتكون تلك الشهادة من الله في الحقيقة إلاّ أنه تعالى أضافها إلى الجوارح توسعاً . وقالوا أيضاً : إنه تعالى ينشئ هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ، ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله . قال القاضي : وهذا أقرب إلى الظاهر لأن ذلك يفيد أنها بفعل الشهادة .
وانتصب * ( يَوْمَئِذٍ ) * بيوفيهم ، والتنوين في إذ عوض من الجملة المحذوفة ، والتقدير يوم إذ تشهد . وقرأ زيد بن عليّ * ( يُوَفّيهِمُ ) * مخففاً والدين هنا الجزاء أي جزاء أعمالهم . وقال :
* ولم يبق سوى العد
*
وإن دناهم كما دانوا
*
ومنه : كما تدين تدان . وقرأ الجمهور * ( الْحَقّ ) * بالنصب صفة لدينهم . وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو روق وأبو حيوة بالرفع صفة لله ، ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصول وصفته و * ( يَعْلَمُونَ ) * إلى آخره يقوي قول من قال : إن الآية في عبد الله بن أُبيّ لأن كل مؤمن يعلم * ( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) * .
قال الزمخشري : ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك وما أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد ، والعذاب البليغ ، والزجر العنيف ، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما نزل فيه على طرق مختلفة وأساليب متقنة كل واحد منها كاف في بابه ، ولو لم ينزل إلاّ هذه الثلاث لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة وأن * ( أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ) * تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا به ، وأنه * ( يُوَفّيهِمُ ) * جزاء الحق الذي هم أهله حتى يعلموا عند الله * ( أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) * فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر ، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلاّ ما هو دونه في الفظاعة انتهى . وهو كلام حسن . ثم قال بعد كلام فإن قلت : ما معنى قوله * ( هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) * ؟ قلت : معناه ذو الحق المبين العادل الذي لا ظلم في حكمه ، والمحق الذي لا يوصف بباطل ، ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء ولا إحسان محسن ، فحق مثله أن يتقى وتجتنب محارمه انتهى . وفي قوله لم تسقط عنده إساءة مسيء دسيسة الاعتزال .
والظاهر أن * ( الْخَبِيثَاتُ ) * وصف للنساء ، وكذلك * ( الطَّيّبَاتِ ) * أي النساء الخبيثات للرجال * ( * الخبيثين ) * ويرجحه مقابلته بالذكور فالمعنى أن * ( الْمُبِينُ الْخَبِيثَاتُ ) * من النساء ينزعن للخباث من الرجال ، فيكون قريباً من قوله * ( الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) *
تفسير البحر المحيط — صفحة 405
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٠٥