تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أنهم هم الذين * ( عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) * ( البقرة : 751 ) . وأخبر أنهم : * ( هم المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . وإنما استحقوا هذه الفضائل الجزيلة بصبرهم المبشر عليه بهذه البشارة ، وهو الصبر عند الصدمة الأولى ، وهو الصبر المحمود الذي يكون عند مفاجأة المصيبة فإنه إذا طالت الأيام عليها وقع السلو وصار الصبر حينئذ طبعا . قوله : ( نعم العدلان ) بكسر العين أي المثلان ، وقال المهلب : العدلان الصلوات والرحمة والعلاوة : * ( أولئك هم المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . وقيل : * ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) * ( البقرة : 651 ) . والعلاوة التي يثاب عليها . وقال ابن التين : قال أبو الحسن : العدل الواحد قول المصاب : * ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) * ( البقرة : 651 ) . والعدل الثاني الصلوات التي هي عليهن من الله تعالى ، والعلاوة * ( وأولئك هم المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . وهو ثناء من الله تعالى عليهم . وقال الداودي : إنما هو مثل ضربه للجزاء ، فالعدلان عدلا البعير أو الدابة ، والعلاوة الغرارة التي توضع في وسط العدلين مملوءة ، يقول : وكما حملت هذه الراحلة وسقاءها فإنها لم يبق موضع يحمل عليه ، فكذلك أعطى هذا الأجر وافرا ، وعلى قول الداودي يكون العدلان والعلاوة . * ( أولئك عليهم صلوات ) * ( البقرة : 751 ) . إلى * ( المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . وقال ابن قرقول : العدل هنا نصف الحمل على أحد شقي الدابة ، والحمل عدلان ، والعلاوة ما جعل بينهما . وقيل : ما علق على البعير ، ضرب ذلك مثلاً بقوله : * ( صلوات من ربهم ورحمة ) * ( البقرة : 751 ) . قال : فالصلوات عدل ، والرحمة عدل . * ( وأولئك هم المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . العلاوة . وقال الفراء : العدل ، بالفتح : ما عدل الشيء من غير جنسه ، وبالكسر : المثل ، والعلاوة ، بالكسر ، ما علقت على البعير بعد تمام الوقر . نحو السقاء وغيره . قوله : ( نعم ) ، كلمة مدح ، والعدلان فاعله ، ( ونعم العلاوة ) عطف عليه . وقوله : ( الذين ) هو المخصوص بالمدح . وقال الكرماني : والظاهر أن المراد بالعدلين القول وجزاؤه ، أي قوله الكلمتين ونوع الثواب ، وهما متلازمان في أن العدل الأول مركب من كلمتين ، والثاني من النوعين من الثواب ، ومعنى الصلاة من الله المغفرة ، ثم هذا الأثر المعلق وصله الحاكم في ( مستدركه ) من طريق جرير عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر ، رضي الله تعالى عنه . كما ساقه البخاري ، وزاد * ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) * ( البقرة : 751 ) . نعم العدلان . * ( وأولئك هم المهتدون ) * ( البقرة : 751 ) . نعم العلاوة . وهكذا أخرجه البيهقي عن الحاكم . وقَوْلُهُ تَعَالى : * ( واسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ علَى الخَاشِعِينَ ) * ( البقرة : 54 ) . وقوله ، مجرور لأنه عطف على قوله : باب الصبر ، والتقدير : وباب قوله تعالى : * ( واستعينوا . . . ) * ( البقرة : 54 ) . الآية ، ويجوز أن يكون مرفوعا عطفا على قوله : ( الصبر عند الصدمة الأولى ) ، على تقدير قطع الإضافة في لفظ : باب ، كما ذكرنا فيه الوجهين ، وجه ذكر هذه الآية الكريمة هنا هو أنه : لما كان المعبر من الصبر هو الصبر عند الصدمة الأولى الذي ذكرنا معناه أتى الصابر بصبر مقرون بالصلاة ، ولهذا ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلَّى ) ، رواه أبو داود ، وروى الطبراني في ( تفسيره ) بإسناد حسن عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : ( أنه نعى إليه أخوه قثم ، وهو في سفر ، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام وهو يقول : * ( واستعينوا بالصبر والصلاة . . . ) * ( البقرة : 54 ) . الآية . قال المفسرون : معنى الآية : استعينوا على ما يستقبلكم من أنواع البلايا بالصبر والصلاة ، وقيل : في أمر الآخرة ، وقيل : في ترك الرياسة . والصبر الحبس ، لأن الصابر حابس نفسه على ما تكرهه ، وسمى الصوم صبرا لحبس النفس فيه عن الطعام وغيره ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل شيء من الدواب صبرا وهو أن يحبس حيا . وقيل : المراد بالصبر في هذه الآية الصوم ، قاله مجاهد . قوله : * ( وإنها ) * أي : وإن الصلاة ، ولم يقل : وإنهما ، مع أن المذكور : الصبر والصلاة ، فقيل : لأنه رد الضمير إلى ما هو الأهم والأغلب ، كما في قوله تعالى : * ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ) * ( التوبة : 43 ) . رد الضمير إلى الفضة لأنها أعم وأغلب . فإن قلت : ما وجه الاستعانة بالصلاة ؟ قلت : لما كان فيها تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى كان ذلك معونة على ما تنازع إليه النفس من حب الرياسة والأنفة من الانقياد إلى الطاعة . قوله : * ( لكبيرة ) * أي : شديدة ثقيلة على الكافرين إلاَّ على الخاشعين ليست بكبيرة ، والخاشع الذي يرى أثر الذل والخضوع عليه ، والخشوع في اللغة : السكون . قال : خشعت الأصوات للرحمن ، وقيل : الخشوع في الصوت والبصر ، والخضوع في البدن . فإن قلت : قد علمت أن العبد منهي عن الهجر وتسخط قضاء الرب في كل حال ، فما وجه خصوص نزول النائبة بالصبر في حال حدوثها ؟ قلت : لأن النفس عند هجوم الحادثة تتحرك على الخشوع ليس في غيرها مثله ، وذلك يضعف على ضبط النفس فيها لكثير من الناس ، بل يصير كل جازع بعد ذلك إلى السلو ونسيان المصيبة والأخذ بقهر الصابر النفس ،
عمدة القاري — صفحة 100 | العيني