تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى وقتيبة . وأخرجه أبو داود عن القعنبي . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، رضي الله تعالى عنه به . ذكر معناه : قوله : ( وهو على المنبر ) ، جملة اسمية وقعت حالاً . قوله : ( وذكر الصدقة ) ، جملة فعلية وقعت حالاً . قوله : ( والمسألة ) بواو العطف على ما قبله ، وفي رواية مسلم ، رحمه الله تعالى : عن قتيبة عن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، والتعفف عن المسألة . ولأبي داود ، رحمه الله تعالى : والتعفف منها ، أي : من أخذ الصدقة . والمعنى : أنه كان يحض الغنى على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة ، أو يحضه على التعفف ويذم على المسألة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : كراهة السؤال إذا لم يكن عن ضرورة نحو الخوف من هلاكه ونحوه ، وقال أصحابنا : من له قوت يوم فسؤاله حرام . وفيه : الغني الشاكر أفضل من الفقير ، وفيه خلاف . وفيه : إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة . وفيه : الحث على الصدقة والإنفاق في وجوه الطاعة . 91 ( ( بابُ المَنَّانِ بِمَا أعْطَى ) ) أي : هذا باب في بيان ذم المنان بما أعطى أي : بما أعطاه ، وإنما قدرنا هكذا لأن لفظ المنان يشعر بالذم لأنه لا يذكر إلاَّ في موضع الذم في حق بني آدم ، ولهذا قال تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( البقرة : 462 ) . فإذا كان المن مبطلاً للصدقات يكون من الأشياء الذميمة . قال ابن بطال : الامتنان مبطل لأجر الصدقة . قال تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( البقرة : 462 ) . وقال القرطبي : لا يكون المن غالبا إلاَّ عن البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم الله عليه ، فالبخيل تعظم في نفسه العطية ، وإن كانت حقيرة في نفسها ، والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله عن المعطي ، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له وإن كان في نفسه فاضلاً ، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه ، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل . انتهى . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالوعيد الشديد في حق المنان فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر ، رضي الله تعالى عنه : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة : المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة ، والمنفق سلعته بالحلف ، والمسبل إزاره ) . وفي الباب أيضا عن ابن مسعود وأبي هريرة ، رضي الله تعالى عنهما ، وأبي أمامة بن ثعلبة وعمران بن حصين ومعقل بن يسار . فإن قلت : لم يذكر البخاري في هذا الباب حديثا ؟ قلت : كأنه لم يتفق له حديث على شرطه ، فلذلك اكتفى بذكر الآية المذكورة . وفي ( التلويح ) : والذي يقارب شرطه حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه ، وقال بعضهم : كأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعا . قلت : هذا كلام غير موجه ، لأنه كيف يشير إلى شيء ليس بموجود والإشارة إنما تكون للحاضر ؟ ولهذا لم تثبت هذه الترجمة إلاَّ في رواية الكشميهني وحده بغير حديث . لِقَوْلِهِ * ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا ) * ( البقرة : 262 ) . الآية . علل الترجمة بهذه الآية ، ووجه ذلك أن الله تعالى مدح الذين ينفقون أموالهم في سبيله ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منّا على ما أعطوه ، ولا يمنون به على أحد لا بقول ولا بفعل ، والذين يتبعون ما أنفقوا منّا وأذىً يكونون مذمومين ولا يستحقون من الخيرات ما يستحق الذين لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذىً ، فيكون وجه التعليل هذا ، والشيء يتبين بضده ، قوله : ( ولا أذىً ) أي : ولا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان ، ثم وعدهم الله بالجزاء الجميل على ذلك ، فقال : لهم أجرهم عند ربهم ، أي : ثوابهم على الله لا على أحد سواه ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة ولا هم يحزنون ، أي : على ما خلفوه من الأولاد ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها ، وذكر الواحدي عن الكلبي ، قال : نزلت هذه الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، جاء عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم ، نصف ماله ، وقال عثمان : علي جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك ، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، فنزلت فيهما هذه الآية الكريمة ، والله أعلم . وقال ابن بطال : ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في
عمدة القاري — صفحة 297 | العيني