تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وقوله : بالجر ، عطف على قوله : صدقة العلانية ، وهو أيضا من الترجمة ، وقد سقطت في رواية المستملي وثبتت لغيره ، وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، فذكر الواحدي : أنها نزلت في أصحاب الخيل ، وهو قول أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول والأوزاعي عن رباح ، ورواه ابن غريب عن أبيه عن جده مرفوعا . قلت : روى ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة أنها نزلت في أصحاب الخيل الذين يربطونها في سبيل الله . وقال مجاهد والكلبي وابن عباس : نزلت في علي بن أبي طالب ، كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحدا وبالنهار واحدا وفي السر واحدا وفي العلانية واحدا . زاد الكلبي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا ؟ قال : حملني أن أستوجب على الله تعالى الذي وعدني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن ذلك لك ، فأنزل الله هذه الآية . ورواه عبد الرزاق أيضا بإسناد فيه ضعف إلى ابن عباس ، ورواه أيضا ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه نحوه ، ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس . وفي ( الكشاف ) نزلت في أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه : إذا أنفق أربعين ألف دينار وعشرة الألف سراً وعشرة آلاف جهرا وعشرة آلاف ليلاً وعشرة آلاف نهارا . وقال الطبري : قال آخرون : عنى بالآية قوما أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير . وقال قتادة : نزلت فيمن أنفق ماله في سبيل الله ، لقوله : صلى الله عليه وسلم : ( إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلاَّ من قال بالمال هكذا وهكذا ، عن يمينه وشماله وقليل ما هم ، هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد ) . قوله إلى قوله : * ( ولا هم يحزنون ) * ( البقرة : 472 ) . أراد تمام الآية ، وهو قوله تعالى : * ( فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( البقرة : 472 ) . أي : لهم أجرهم يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ، فلا خوف عليهم عند الموت ، ولا هم يحزنون يوم القيامة . 31 ( ( بابُ صَدَقَةِ السِّرِّ ) ) أي : هذا باب في ذكر صدقة السر ، ولم يذكر في هذا الباب إلاَّ الحديث المعلق والآية الكريمة . وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ورَجُلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنعَتْ يَمِينُهُ مطابقته للترجمة ظاهرة ، لأن قوله : ( فأخفاها ) أي : الصدقة ، وهي صدقة السر ، وهذا المعلق ذكره موصولاً في : باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ، عن محمد بن بشار عن يحيى عن عبيد الله عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله في ظله . . . الحديث ، وهذا المعلق قطعة منه ، ولكن لفظه هناك : ( ورجل تصدق بصدقة وأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) . وذكره أيضا بتمامه في الباب الثالث بعد هذا الباب ، وهو : باب الصدقة باليمين ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . قوله : ( ورجل ) ، عطف على ما قبله في الحديث المذكور . وقالَ الله تَعَالى : * ( وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * ( البقرة : 172 ) . مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة ظاهرة ، وأولها : * ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) * ( البقرة : 172 ) . أي : إن أظهرتموا الصدقة فنعم شيء هي . وقيل : فنعمت الخصلة هي ، نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل أم الجهل ؟ قال الطبري : وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى : * ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) * ( البقرة : 172 ) . إلى قوله تعالى : * ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( البقرة : 472 ) . كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة ، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات أقربت الصدقات إليها . وعن قتادة : * ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ) * ( البقرة : 172 ) . كل مقبول إذا كانت النية صادقة ، وصدقة السر أفضل . وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار . وقاله أيضا الربيع ، وعن ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال : بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها تفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها . وقال سفيان : هو سوى الزكاة ، وقال آخرون : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله : * ( إن تبدوا الصدقات ) * ( البقرة : 172 ) . يعني على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما