تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا ، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد : الصدقة ) . وكانت زينب امرأة صناع باليد ، فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله . قال الحاكم : على شرط مسلم ، وهذه رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب . وقال الكرماني : لا يخلو أن يقال : إما أن في الحديث اختصارا وتلفيقا يعني : اختصر البخاري القصة ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب ، فالضمائر راجعة إليها . وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية وعلم أهل هذا الشأن بأن الأسرع لحوقا هي زينب ، فتعود الضمائر إلى من هي مفردة في أذهانهم . وإن أن يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي هي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوقها به أولاً ، وعلمنا بعد ذلك أنها هي التي طول صدقة يديها ، والحال أنها كانت أسرع لحوقا به ، وكانت محبة للصدقة . قلت : هذا الذي قاله الكرماني ليس بسديد ، لا من جهة التوفيق بين الأخبار ، ولا من جهة ما يقتضيه تركيب الكلام ، بل كلامه بعيد جدا من هذا الوجه . وقال الطيبي : قوله : ( فعلمنا بعد ) ، يعني فهمنا من قوله : ( أطولكن يدا ) ابتداء ظاهره فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يدا يدا لننظر أينا أطول يدا ، فلما فطنا محبتها الصدقة ، وعلمنا أنه ، صلى الله عليه وسلم ، لم يرد باليد العضو ، وبالطول طولها ، بل أراد العطاء وكثرته ، أجريناه على الصدقة . فاليد ههنا استعادة للصدقة ، والطول ترشيح لها لأنه ملائم للمستعار منه . ولو قيل : أكبركن ، لكان تجريدا لها . وقيل : وجه الجمع أن في قولها : فعلمنا بعد إشعار بأنهن حملن طول اليد على ظاهره ، ثم علمن بعد ذلك خلا ما اعتقدن أولاً ، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها آخرهن موتا ، فتعين أن تكون هي المرادة ، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله : فكانت ، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك . انتهى . وقال بعضهم : وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في ( الصحيح ) لعلمه بالوهم فيه ، وأنه ساقه في التاريخ ( بإثبات ذكرها . انتهى ) قلت : قول القائل الأول : فتعين أن تكون هي المرادة إلى آخره غير مسلم ، فمن أين التعيين من التركيب على أن زينب هي المرادة ؟ وكيف تقول : وكذلك بقية الضمائر بعد قوله : فكانت ؟ واستغنى عن تسميتها ؟ أي : عن تسمية زينب لشهرتها بذلك ، والمذكور فيه بالتصريح سودة ، ولا يبادر الذهن إلاَّ إلى أن الضمير في فكانت يرجع إلى سودة بمقتضى حق التركيب ، وهذا الذي قاله خلاف ما يقتضيه حق التركيب ، وقول بعضهم : وكان هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة إلى آخره كلام تمجه الأسماع لأنه كيف يحذف لفظ سودة في ( الصحيح ) بالوهم ويثبته في ( التاريخ ) وكان اللائق به أن يكون الأمر بالعكس . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم وإن كان مراد المتكلم مجازه ، لأن نسوة النبي صلى الله عليه وسلم حملن طول اليد على الحقيقة ، فلم ينكر عليهن . فإن قلت : روى الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم ( عن ميمونة ، رضي الله تعالى عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن : ليس ذلك ، أعني ، إنما أعني أصنعكن يدا ) . قلت : هذا حديث ضعيف جدا ، ولو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذرع أيديهن ، كما مر في رواية عمرة عن عائشة . وفيه : دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ ، لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة ، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة ، قاله المهلب ، ولكنه غير مطرد في جميع الأحوال . وفيه : علم من أعلام النبوة ظاهر . وفيه : أنه لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلاَّ بالوحي ، أجابهنصلى الله عليه وسلم بلفظ غير صريح ، وأحالهن على ما لا يتبين إلاَّ بآخره ، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية . وفيه : على ما قاله بعضهم جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة إذا لم يكن هناك محذور . قلت : ليت شعري ما اللفظ المشترك هنا حتى يجوز إطلاقه بين الحقيقة والمجاز ؟ فإن كان مراده لفظ : الطول ، فهو غير مشترك ، بل هو ترشيح الاستعادة ، وإن كان مراده لفظ : اليد ، فهو ليس بمشترك هنا ، بل هو استعارة للصدقة على ما ذكرنا . 21 ( ( بابُ صَدَقَةِ العَلاَنِيَةِ ) ) أي : هذا باب في ذكر صدقة العلانية ، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث ، لأن الظاهر أنه لم يجد حديثا فيه على شرطه ، واكتفى بالآية . وقَوْلِهِ * ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرَّا وعَلاَنِيَّةً ) * إلى قولِهِ * ( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * ( البقرة : 472 ) .
عمدة القاري — صفحة 283 | العيني