تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها جزء من الحديث . ورجاله قد ذكروا غير مرة وإسماعيل ابن أبي أويس واسمه عبد الله ، وهو ابن أخت مالك ، رحمه الله . والحديث أخرجه مسلم في صفة النار عن يحيى بن يحيى . وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين . ذكر معناه : قوله : ( بالغداة ) أي : في الغداة وفي العشي قوله : ( إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ) يعني : إن كان الميت من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه ، وقال الطيبي : يجوز أن يكون المعنى : إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يكتنه كنهه لأن هذا المنزل لطليعة تباشير السعادة الكبرى ، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الفخامة ، كقولهم : من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى . قلت : الصمان ، بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون : جبل ينقاد ثلاث ليال وليس له ارتفاع ، سمي به لصلابته . قوله : ( حتى يبعثك الله يوم القيامة ) وفي رواية مسلم : عن يحيى بن يحيى عن مالك : ( حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ) ، وحكى ابن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب مالك ، وأن الأكثرين رووه كرواية البخاري ، وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم ، قال : والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد ، ويحتمل أن يعود الضمير على : الله وإلى الله ترجع الأمور ، وكونه عائدا إلى المقعد الذي يصير إليه أشبه ، ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ : ( ثم يقال : هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة ) أخرجه مسلم . وقد أخرج النسائي رواية ابن القاسم لكن لفظه كلفظ البخاري . وقال الطيبي : معنى : حتى يبعثك الله ، و : حتى ، للغاية ، أنه يرى بعد البعث من عند الله كرامة ومنزلة ينسى عنده هذا المقعد ، كما قال صاحب ( الكشاف ) في قوله تعالى : * ( وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) * ( ص 1764 ; : 87 ) . أي : إنك مذموم مدعوٌّ عليك باللعنة إلى يوم الدين فإذا جاء ذلك اليوم عذب بما تنسى اللعن معه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : عرض مقعد الميت عليه ، قيل : معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى ، وأريد بالبكور بالغداة والعشي تذكارهم بذلك ، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة هي في الفوات وأكل التراب لها والفناء ، ولا يعرض شيء على الفاني فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة ، لأنها لا تفنى . وقال أبو الطيب : اتفق المسلمون على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة ، وإنما هو في الدنيا فهم معرضون بعد مماتهم على النار . وقيل : يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب . انتهى . قلت : قال الله تعالى : * ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) * ( مريم : 26 ) . والذي يقال في هذه الآية ، يقال في هذا أيضا ، والله تعالى أعلم . وقال ابن التين : ويحتمل أن يراد بالغداة والعشي : غداة واحدة وعشية واحدة ، يكون العرض فيها ، ومعنى قوله : ( حتى يبعثك الله ) أي : لا تصل إليه إلى يوم البعث ، ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي ، وذلك لا يكون إلاَّ بأن يكون الإحياء بجزء منه فإنا نشاهد الميت ميتا بالغداة والعشي ، وذلك يمنع إحياء جميعه وإعادة جسمه ، . ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه وتصح مخاطبته والعرض عليه ، ويحتمل أن يريد بذلك غداة واحدة ويكون العرض فيها ، ويكون معنى قوله : ( حتى يبعثك الله ) أي : أنه مقعدك لا تصل إليه حتى يبعثك الله . وقال القرطبي : يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط ، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن ، قال : وهذا في حق المؤمن والكافر واضح ، وأما المؤمن المخلط فيحتمل أيضا في حقه ، لأنه يدخل الجنة في الجملة ، ثم هو مخصوص بغير الشهداء . وقيل : يحتمل أن يقال : إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها ، فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن . وفيه ما قال ابن عبد البر عن بعضهم ، وهو الاستدلال به على أن الأرواح على أفنية القبور ، قال : والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية القبور لا أنها لا تفارق الأفنية ، بل هي كما قال مالك : إنه بلغة أن الأرواح تسرح حيث شاءت . قلت : كونها تسرح حيث شاءت لا يمنع كونها على الأفنية ، لأنها تسرح ، ثم تأوي إلى القبر ، وعن مجاهد : الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق . 09 ( ( بابُ كَلاَمِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان كلام الميت بعد حمله على الجنازة .