تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وفي رواية للبخاري ستأتي بلفظ : ( ولم يصل عليهم ولم يغسلهم ) ، كلاهما بصيغة المعلوم أي : لم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ولا بأمره . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه : الأول : قال ابن التين : فيه : جواز الجمع جمع الرجلين في ثوب واحد ، وقال أشهب : لا يفعل ذلك إلاَّ لضرورة ، وكذا الدفن ، وعن العلامة ابن تيمية ، معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة ، وإن لم يستر إلاَّ بعض بدنه ، يدل عليه تمام الحديث : أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد ، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته . وقال ابن العربي : فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت ، وإلاَّ فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلاَّ عند انقطاع التكليف أو للضرورة . الثاني : فيه التفضيل بقراءة القرآن ، فإذا استووا في القراءة قدم أكبرهم لأن للسن فضيلة . الثالث فيه : جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر ، وبه أخذ غير واحد من أهل العلم ، وكرهه الحسن البصري ، ولا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ، غير أن الشافعي وأحمد قالا ذلك في موضع الضرورات ، وحجتهم حديث جابر . وقال أشهب : إذا دفن اثنان في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التراب ، وذلك لأنه لا معنى له إلاَّ التضييق . وقال ابن أبي حاتم ، ذكر أبي حديثا رواه ابن وهب عن ابن جريج عن قتادة ( عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع يوم أحد النفر في القبر الواحد ، فكان يقدم في القبر إلى القبلة أقرأهم ، ثم ذا السن يلي أقرأهم ) . قال : أبي يحيى هذا : هو ابن صبيح ، وفي ( سنن الكجي ) : حدثنا أيوب عن حميد بن هلال عن أبي الدهماء ( عن ابن عباس ، قال : شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القرح يوم أحد ، فقال : أحفروا واجعلوا في القبر الاثنين والثلاثة وقدموا أكثرهم قرآنا ) . وقال القدوري في شرحه ، والسرخسي في ( المبسوط ) : إن وقعت الحاجة إلى الزيادة فلا بأس أن يدفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد ، وفي المرغيناني : أو خمسة ، وهو إجماع ، وفي ( البدائع ) : ويقدم أفضلها ، ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب فيكون في حكم قبرين ، ويقدم الرجل في اللحد ، وفي صلاة الجنازة تقدم المرأة على الرجل إلى القبلة ، ويكون الرجل إلى الرجل أقرب والمرأة عنه أبعد . الرابع : فيه دفن الشهيد بدمه ، وروى النسائي من حديث معمر عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زملوهم بدمائهم ) . الخامس فيه : أن الشهيد لا يغسل ، وهذا لا خلاف فيه إلاَّ ما روى عن سعيد بن المسيب والحسن ابن أبي الحسن من : أنه يغسل . قالا : ما مات ميت إلاَّ أجنب ، رواه ابن أبي شيبة عنهما بسند صحيح ، وعن الحسن بسند صحيح : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحمزة ، رضي الله تعالى عنه ، فغسل ) وحكي عن الشعبي وغيره أن حنظلة بن الراهب غسلته الملائكة . وأجيب : بأنه كان جنبا . وقال السهيلي : في ترك غسل الشهداء تحقيق حياتهم وتصديق قوله تعالى : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) * ( آل عمران : 961 ) . الآية ، ولأن الدم أثر عبادة فلا يزال ، كما قالوا في السواك للصائم . السادس : فيه أن الشهيد لا يصلى عليه ، وهذا باب فيه خلاف ، وقد ذكرناه في أول الباب . وقال أصحابنا : الشهيد يصلى عليه بلا غسل ، واحتجوا في ذلك بحديث عقبة الآتي عن قريب ، وبما رواه ابن ماجة من حديث أبي بكر ابن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم ( عن ابن عباس ، قال : أتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة ، وهو كما هو يرفعون وهو كما هو موضوع ) ، ورواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود عن محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد ابن أبي زياد عن مقسم ( عن ابن عباس : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة ، ثم توضع العشرة وحمزة موضوع ، ثم توضع عشرة فيصلى عليهم وعلى حمزة معهم ) . وأخرجه البزار في ( مسنده ) بأتم منه : حدثنا العباس ، رحمه الله تعالى ، ابن عبد الله البغدادي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم ( عن ابن عباس ، قال : لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تسأل : ما صنع ؟ فلقيت عليا والزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، فقالت : يا علي ويا زبير ! ما فعل حمزة ؟ فأوهماهما أنهما لا يدريان ، قال : فضحك النبي ، صلى الله عليه وسلم : وقال : إني أخاف على عقلها ، فوضع يده على صدرها فاسترجعت وبكت ، ثم
عمدة القاري — صفحة 154 | العيني