تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
47 ( ( بابُ قَوْلِ اللَّهِ تعالى * ( وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً ) * ) ) أي : هذا باب قول الله تعالى : * ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) * ( الإسراء : 85 ) وأراد بإيراد هذا الباب المترجم بهذه الآية التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيا ولا غيره . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على سؤال عن عالم ، غير أن المسؤول قد بيَّن في الأول لكونه مما يحتاج إلى علمه السائل ، ولم يبين في هذا لعدم الحاجة إلى بيانه لكونه مما اختص الله سبحانه فيه ، ولأن في عدم بيانه تصديقا لنبوة النبي ، صلى الله تعالى عليه وسلم . حيث قال الواحدي : قال المفسرون إن اليهود اجتمعوا فقالوا : نسأل محمدا عن الروح ، وعن فتية فقدوا في أول الزمان ، وعن رجل بلغ مشرق الشمس ومغربها ، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وأمسك عن بعض فهو نبي فسألوه عنها فأنزل الله تعالى في شأن الفتية : * ( أم حسبت أن أصحاب الكهف ) * ( الكهف : 9 ) إلى آخر القصة . وأنزل في شأن الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها : * ( ويسألونك عن ذي القرنين ) * ( الكهف : 83 ) إلى آخر القصة ، وأنزل في الروح قوله تعالى : * ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) * ( الإسراء : 85 ) . قوله : * ( وما أوتيتم ) * ( الإسراء : 85 ) الخطاب عام ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه ؟ فقال : ( بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلاَّ قليلاً ) . فقالوا : ما أعجب شأنك ؟ ساعة تقول : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) * ( البقرة : 269 ) وساعة تقول هذا ! فنزلت : * ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله ) * ( لقمان : 27 ) وليس ما قالوه بلازم ، لأن القلة والكثرة يدوران مع الإضافة ، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه ، والكثرة مضافا إلى ما تحته ، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها ، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة . وقيل : هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أوتينا التوراة فيها الحكمة ، وقد تلوت : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) * ( البقرة : 269 ) فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى . قوله : * ( إلا قليلاً ) * ( الإسراء : 85 ) استثناء من العلم ، أي : إلا علما قليلاً ، أو من الإيتاء ، أي إلا إيتاءً قليلاً ، أو من الضمير أي إلاَّ قليلاً منكم . 125 حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ قالَ : حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال : حدّثنا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال : بَيْننَا أنَا أَمْشِي مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في خَرِبِ المَدِينَةِ ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عسيبٍ مَعَهُ ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ . فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : سَلُوهُ عنِ الرُّوحِ ؟ وقالَ بَعْضُهُمْ : لا تَسْألُوهُ ! لاَ يجيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ . فقالَ بَعْضُهمْ : ولنَسْألَنَّهُ . فقامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فقالَ : يا أبا القاسِمِ ! ما الرُّوحُ ؟ فَسَكَت ، فَقُلْتُ : إنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقُمْتُ ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فقالَ : * ( ويَسْألُونَكَ عَنْ الروحِ قلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وما أوتوا مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً ) * ( الإسراء : 85 ) قالَ الأعْمَشُ : هَكَذا فِي قِرَاءَتِنَا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها بعض آية من القرآن ، والحديث يبين سبب نزولها مع ما فيها من التنبيه على أن علم الروح علم قد استأثر الله به ولم يطلع عليه أحدا ، كما قد ذكرناه . بيان رجاله : وهم ستة : الأول : قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي ، أبو محمد البصري ، روى عنه أحمد بن سعيد الدارمي وأبو زرعة وأبو حاتم . قال يحيى بن معين : ثقة . وقال أحمد بن عبد الله : لا بأس به . وقال أبو حاتم : شيخ ، وهو شيخ البخاري ، انفرد بالإخراج عنه عن أئمة الكتب الخمسة ، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه ، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين . الثاني : عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري . الثالث : سليمان بن مهران الأعمش الكوفي . الرابع : إبراهيم بن يزيد النخعي . الخامس : علقمة بن قيس النخعي . السادس : عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها : أن رواته ما بين بصريين وثلاثة كوفيين . ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين الحفاظ المتقنين يروي بعضهم عن بعض . وهم : الأعمش وإبراهيم وعلقمة . ومنها : أن رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أصلح الأسانيد فيما قيل . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه