تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
صورتيهما صورة المنكر ، وكان صحيحا في نفس الأمر له حكمة بينة ، لكنها لا تظهر للخلق فإذا علمهم الله تعالى بها علموها ، ولهذا قال : * ( وما فعلته عن أمري ) * ( الكهف : 82 ) الثاني عشر : قال ابن بطال : وفيه أصل وهو : ما تعبد الله تعالى به خلقه من شريعته يجب أن يكون حجة على العقول ، ولا تكون العقول حجة عليه ، ألا ترى أن إنكار موسى ، عليه الصلاة والسلام ، كان صوابا في الظاهر ، وكان غير ملوم فيه ، فلما بيَّن الخضر وجه ذلك صار الصواب الذي ظهر لموسى في إنكاره خطأ ، والخطأ الذي ظهر له من فعل الخضر صوابا ، وهذا حجة قاطعة في أنه يجب التسليم لله تعالى في دينه ولرسوله في سنته ، واتهام العقول إذا قصرت عن إدراك وجه الحكمة فيه . الثالث عشر : فيه أن قوله : * ( وما فعلته عن أمري ) * ( الكهف : 82 ) يدل على أنه فعله بالوحي ، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفسا لما يتوقع وقوعه منها ، لأن الحدود لا تجب إلا بعد الوقوع ، وكذا لا يقطع على أحد قبل بلوغه ، لأنه إخبار عن الغيب ، وكذا الإخبار عن أخذ الملك السفينة ، وعن استخراج الغلامين الكنز ، لأن هذا كله لا يدرك إلاَّ بالوحي . الرابع عشر : فيه حجة لمن قال بنبوة الخضر ، عليه الصلاة والسلام . الخامس عشر : قال القاضي : فيه جواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه ، وخصاء الأنعام ، وقطع بعض آذانها لتميز . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : في قوله : ( فإني نسيت الحوت ) كيف نسي ذلك ومثله لا ينسى لكونه أمارة على المطلوب ، ولأن ثمة معجزتين : حياة السمكة المملوحة المأكول منها على المشهور ، وانتصاب الماء مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه ؟ أجيب : بأنه قد شغله الشيطان بوسواسه والتعود بمشاهدة أمثاله عند موسى ، عليه الصلاة والسلام ، من العجائب والاستئناس بأخواته موجب لقلة الاهتمام به . ومنها ما قيل : في قوله : ( على أن تعلمني مما علمت رشدا ) أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه كما قيل : موسى بن ميشا لا موسى بن عمران ، لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين ؟ أجيب : لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله ، وإنما يغض منه أن يأخذ ممن دونه . وقال الكرماني : هذا الجواب لا يتم على تقدير ولايته . قلت : هذا الجواب للزمخشري ، وهو قائل بنبوته ، كما ذهب إليه الجمهور ، بل هو رسول وينبغي اعتقاد ذلك لئلا يتوسل به أهل الزيغ والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم : أن الولي أفضل من النبي ، نعوذ بالله تعالى من هذه البدعة . وقال بعضهم : وفي هذا الجواب نظر ، لأنه يستلزم نفي ما أوجب . قلت : هذه الملازمة ممنوعة ، فلو بين وجهها لأجيب عن ذلك . ومنها ما قيل : في قوله : فحملوهما ، وهم ثلاثة . فقال : كلموهم بلفظة الجمع ، فلم قال : فحملوهما بالتثنية ؟ أجيب : بأن يوشع كان تابعا فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع . ومنها ما قيل : إن نسبة النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي ، ونسبة علمهما إلى علم الله نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، وللنقرة إلى البحر في الجملة نسبة ما بخلاف علمهما ، فإنه لا نسبة له إلى علم الله . أجيب : بأن المقصود منه التشبيه في القلة والحقارة ، لا المماثلة من كل الوجوه . ومنها ما قيل : متى كانت قصة الخضر مع موسى عليهما السلام ؟ أجيب : حيث كان موسى في التيه ، فلما فارقه الخضر رفع إلى قومه وهم في التيه . وقيل : كانت قبل خروجه من مصر . والله أعلم . 45 ( ( بابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قائِمٌ عالِما جالِسا ) ) أي : هذا باب في بيان من سأل ، والحال أنه قائم ، عالما جالسا . و : من ، موصولة ، و : الواو ، للحال . و : عالما ، مفعول : سأل . و : جالسا ، صفة : عالما . ومقصود البخاري أن سؤال القائم العالم الجالس ليس من باب من يتمثل له الناس قياما ، بل هذا جائز إذا سلمت النفس فيه من الإعجاب . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في كل منهما سؤالاً عن العالم ، وهذا لأن في الأول سؤال موسى عن الخضر ، وفي هذا سؤال القائم عن العالم الجالس . 123 حدّثنا عُثْمانُ قالَ : أخبرنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وَائلٍ عن أبي مُوسَى قال : جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ : يا رسول اللَّهِ ! ما القتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فإنّ أحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبا ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً ، فَرَفَعَ إلَيْهِ رأْسَهُ ، قال : وما رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلاَّ أنَّهُ كانَ قائِما ، فقالَ : ( مَنْ قاتَلَ لِتَكونَ كَلِمةُ اللَّهِ هيَ العُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ ) .
عمدة القاري — صفحة 196 | العيني