تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
مرادهم ، لأن الروح جاء في القرآن على معان . قال الله تعالى : * ( نزل به الروح الأمين ) * ( الشعراء : 193 ) وقال : * ( تنزل الملائكة والروح فيها ) * ( القدر : 4 ) وقال : * ( روحا من أمرنا ) * ( الشورى : 52 ) * ( يوم يقوم الروح ) * ( النبأ : 38 ) فلو عينوا سؤالهم لأمكنه أن يجيبهم . قال هذا القائل : ويمكن أن يكون سؤالهم عن روح بني آدم ، لأنه مذكور في التوراة أنه لا يعلمه : إلا الله . وقالت اليهود : إن فسر الروح فليس بنبي ، فلذلك لم يجبهم . قال عياض وغيره : اختلف المفسرون في الروح المسؤول عنها ، فقيل : سألوه عن عيسى ، عليه الصلاة والسلام . فقال لهم : الروح من أمر الله ، يعني : إنما هو شيء من أمر الله تعالى ، كما تقول النصارى ، وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح . وعن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم : هو ملك من الملائكة يقوم صفا ، وتقوم الملائكة صفا . قال تعالى : * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) * ( النبأ : 38 ) وقيل : جبرائيل ، عليه السلام وقيل : القرآن ، لقوله تعالى : * ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) * ( الشورى : 52 ) وقال أبو صالح : هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل . وقيل : طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلاَّ نزل معه أحدهم . وقيل : ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة . وقيل : علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو ، لأن اليهود قالوا : إن فسر الروح فليس بنبي ، وهذا معنى قوله : ( لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه ) ، فقد جاءهم بذلك لأن عندهم في التوراة كما ذكره لهم أنه من أمر الله تعالى ، لن يطلع عليه أحد . وذكر ابن إسحاق أن نفرا من اليهود قالوا : يا محمد ! أخبرنا عن أربع نسألك عنهن . . . وذكر الحديث ، وفيه : ( فقالوا يا محمد ! أخبرنا عن الروح . قال : أنشدكم بالله هل تعلمون جبرائيل ، عليه الصلاة والسلام ، وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللهم نعم ، ولكنه يا محمد هو لنا عدو وهو ملك يأتي بالشدة وسفك الدماء ، ولولا ذلك لاتبعناك . فأنزل الله تعالى : * ( من كان عدوا لجبريل ) * ( البقرة : 97 ) قال بعضهم : هذا يدل على أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل ، والله أعلم . وأما روح بني آدم فقال المازري : الكلام على الروح مما يدق ، وقد ألفت فيه التآليف ، وأشهرها ما قاله الأشعري : إنه النفس الداخل والخارج . وقال القاضي أبو بكر : هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة . وقيل : جسم مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة . وقيل : جسم لطيف خلقه الباري سبحانه ، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند انعدام الحياة ، وهذا الجسم وإن كان حيا فلا يحيى إلا بحياة تختص به ، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسمٍ ما من الأجسام ، ويكون في مكان في العالم ، أو في حواصل طير خضر إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر ، إلى غيره من جواهر القلب ، والجسم الحياة . وقال غيرهما : هو الدم . وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولاً . واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا ؟ والأصح أنهما متغايران ، فإن النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله : أنا ، وأكثر الفلاسفة لم يفرقوا بينهما . قالوا : النفس هو الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية ، ويسمونها : الروح الحيوانية ، وهي الواسطة بين القلب الذي هو النفس الناطقة ، ، وبين البدن . وقال بعض الحكماء والغزالي : النفس مجردة ، أي : غير جسم ولا جسماني . وقال الغزالي : الروح جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيز ، وإنه ليس بداخل الجسم ولا خارجا عنه ، وليس متصلاً به ولا منفصلاً عنه ، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات ، واعترض عليه بوجوه قد عرفت في موضعها . وقيل : الروح عرض لأنه لو كان جوهرا ، والجواهر متساوية في الجوهرية ، للزم أن يكون للروح روح آخر وهو فاسد . وقيل : إنه جوهر فرد متحيز وإنه خلاف الحياة القائمة بالجسم الحيواني ، وإنه حامل للصفات المعنوية . وقيل : إنه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان وأذنان ويدان ورجلان في داخل الجسم يقابل كل جزء منه عضو نظيره من البدن وهو خيال . وقيل : إنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه ، وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة . وقد كثر الاختلاف في أمر الروح بين الحكماء والعلماء المتقدمين قديما وحديثا ، وأطلقوا أعنة النظر في شرحه ، وخاضوا في غمرات ماهيته ، فأكثرهم تاهوا في التيه ، فالأكثرون منهم على أن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عالما به . قلت : جل منصب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حبيب الله وسيد خلقه ، أن يكون غير عالم بالروح ، وكيف وقد منَّ الله عليه بقوله : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) * ( النساء : 113 ) . وقد قال أكثر العلماء : ليس في الآية دليل على أن الروح لا يعلم ولا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها . قوله : ( قال الأعمش ) أي : سليمان بن مهران . قوله : ( هكذا في قراءتنا ) رواية الكشميهني وفي رواية غيره : كذا في قراءتنا ، يعني أوتوا بصيغة الغائب ، وليست هذه