تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
فأخذ الخضر برأسه فقطعه بيده هكذا ، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئا . وجاء فيه ، في التفسير : ( ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما مع الغلمان ، فاقتلع رأسه فقتله ) . وجاء : ( فوجد غلمانا يلعبون ، فأخذ غلاما كافرا ظريفا ، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ) . وقال الكلبي : صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله . وقيل : رفصه برجله فقتله . وقيل : ضرب رأسه بالجدار حتى قتله . وقيل : أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات ، فلما قتله قال موسى : * ( اقتلت نفسا زكية ) * ( الكهف : 74 ) أي : طاهرة * ( بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) * ( الكهف : 74 ) أي منكرا . قال : فغضب الخضر فاقتلع كتف الصبي الأيسر ، وقشر اللحم عنه فإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبدا . وفي مسلم : ( وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرا ، وكان أبواه قد عطفا عليه ، فلو أنه أدرك أرهقهما طغيانا وكفرا ) . والطغيان : الزيادة في الإضلال . قال البخاري : وكان ابن عباس يقرأ : * ( وكان أبواه مؤمنين ) * ( الكهف : 78 ) وهو كان كافرا . وعنه : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين . وقوله : غلاما ، يدل على أنه كان غير بالغ ، والغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ ، وزعم قوم أنه كان بالغا يعمل الفساد ، واحتجوا بقوله : بغير نفس ، إن القصاص إنما يكون في حق البالغ . وأجاب الجمهور عن ذلك : بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم ، فلعله كان يجب على الصبي في شرعهم كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات ، ويقال : المراد به التنبيه على أنه قتل بغير حق . فإن قلت : في أين كان قضية قتل الغلام ؟ قلت : في أبله ، بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء ، وهي مدينة بالقرب من بصرة وعبادان ، ويقال : أيلاء ، بفتح الهمزة وسكون الياء واللام الممدودة : مدينة كانت على ساحل بحر القلزم على طريق حجاج مصر . قوله : ( قال ابن عيينة ) أي : سفيان بن عيينة ، وهذا أوكد ، والاستدلال عليه إنما هو بزيادة : لك ، في هذه المرة . قال العلامة جار الله : فإن قلت : ما معنى زيادة لك ؟ قلت : زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية . قوله : ( حتى إذا أتيا ) وفي بعض النسخ : ( حتى أتيا ) بدون لفظة : إذا . قوله : ( أهل قرية ) هي : أنطاكية ، قاله ابن عباس . وقال ابن سيرين : ابلة وهي أبعد الأرض من السماء ، وجاء أنهم كانوا من أهل قرية لئام . وقيل : قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى . وقال السهيلي : قيل : إنها برقة ، وقيل : إنها باجروان وهي مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان ، عندها فيما قيل عين الحياة التي وجدها الخضر ، عليه السلام ، فوافياها بعد غروب الشمس ، فاستطعما أهلها واستضافاهم فأبوا أن يضيفوهما ، ولم يجدا في تلك الليلة في تلك القرية قرىً ولا مأوى ، وكانت ليلة باردة ، فالتجآ إلى حائط على شاطىء الطريق يريد أن ينقض ، أي : يكاد أن يسقط ، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز ، إذ لا إرادة له حقيقة ، والمراد ههنا : المشارفة على السقوط . وقال الكسائي : إرادة الجدار ههنا ميله ، وفي البخاري : مائل ، وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف قوله : ( قال الخضر بيده فأقامه ) قد قلنا : إن معناه : أشار بيده فأقامه . وفي رواية قال : ( فمسحه بيده ) ، وذكر الثعلبي أن سمك الجدار مائتا ذراع بذراع تلك القرى ، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ذراعا . قيل : إنه مسحه كالطين يمسحه القلاَّل فاستوى . وعن ابن عباس : هدمه ثم قعد يبنيه . وقيل : أقامه بعمود عمده به . فقال له موسى : لو شئت لاتخذت عليه أجرا فيكون لنا قوتا وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم فلم يضيفونا . فقال الخضر : * ( هذا فراق بيني وبينك ) * الآية . ( الكهف : 78 ) فإن قلت : هذا إشارة إلى ماذا ؟ قلت : قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال : فلا تصاحبني ، فأشار إليه وجعله مبتدأ ، ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث أي : هذا الاعتراض سبب الفراق . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه استحباب الرحلة للعلم . الثاني : فيه جواز التزود للسفر . الثالث : فيه فضيلة طلب العلم والأدب مع العالم ، وحرمة المشايخ ، وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم ، والوفاء بعهودهم ، والاعتذار عند المخالفة . الرابع : فيه إثبات كرامات الأولياء وصحة الولاية . الخامس : فيه جواز سؤال الطعام عند الحاجة . السادس : فيه جواز الإجارة . السابع : فيه جواز ركوب البحر ونحو ذلك بغير أجرة برضى صاحبه . الثامن : فيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه . التاسع : فيه أن الكذب الإخبار على خلاف الواقع عمدا أو سهوا خلافا للمعتزلة . العاشر : إذا تعارضت مفسدتان يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما ، كما في خرق الخضر السفينة لدفع غصبها وذهاب جملتها . الحادي عشر : فيه بيان أصل عظيم وهو : وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع ، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس ، وقد لا يفهمونه كلهم : كالقدر ، وموضع الدلالة قتل الغلام ، وخرق السفينة فإن