تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
غيرها ، لكن الحكام يحلِّفون من وجب عليه اليمين في مجالسهم . قَضَى مَرْوَانُ باليَمِينِ علَى زَيْدِ بنِ ثابِتٍ علَى المِنْبَرِ فقال أحْلِفُ لَهُ مَكانِي فجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ وأبَى أنْ يَحْلِفَ علَى المِنْبَرِ فجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ مروان هو ابن الحكم الأموي ، كان والي المدينة من جهة معاوية بن أبي سفيان ، وهذا التعليق رواه مالك في ( الموطأ ) عن داود ابن الحصين : سمع أبا غطفان بن طريف المزي ، قال : اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع يعني : عبد الله إلى مروان في دار ، فقضى باليمين على زيد على المنبر ، فقال : أحلف له مكاني . فقال مروان : لا والله إلاَّ عند مقاطع الحقوق ، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب من ذلك ، قال مالك : لا أرى أن يحلف على المنبر في أقل من ربع دينار ، وذلك ثلاثة دراهم . قوله : ( على المنبر ) يتعلق بقوله : على المنبر ظاهراً ، لكن السياق يقتضي أن يتعلق باليمين . قوله : ( أحلف ) بلفظ المتكلم ، وإن كان المعنى صحيحاً بلفظ الأمر أيضاً . قوله : ( فجعل ) بمعنى : طفق ، من أفعال المقاربة ، وروى ابن جريج عن عكرمة ، قال : أبصر عبد الرحمن ابن عوف ، رضي الله تعالى عنه قوماً يحلفون بين المقام والبيت ، فقال : أعلى دم ؟ قيل : لا ، قال : أفعلى عظيم من المال ؟ قال : لا ، قال : لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام . قال : ومنبر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في التعظيم مثل ذلك ، لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة . واحتيج أبو حنيفة بما روي عن زيد بن ثابت أنه : لم يحلف عند المنبر ، ومن يرى ذلك مال إلى قول مروان بغير حجة ، وقال صاحب ( التوضيح ) : واحتج عليه الشافعي فقال : لو لم يعلم زيد أن اليمين عند المنبر سُنَّة ، لأنكر ذلك على مروان ، وقال له : لا والله لا عليه أحلف إلاَّ في مجلسك . انتهى . قلت : هذا عجيب ! كيف يقول هذا ؟ فلو علم زيد أنه سُنَّة لما حلف على أنه لا يحلف إلاَّ في مجلسه ، وعدم سماعه كلام مروان أعظم من الإنكار عليه صريحاً ، والاحتجاج بزيد بن ثابت أولى بالاحتجاج ، بل أحق من مروان . وقد اختلف في الذي يغلظ فيه من الحقوق ، فعن مالك : ربع دينار ، وعن الشافعي : عشرون ديناراً فأكثر ، ونقل القاضي في مغربته عن بعض المتأخرين : أنه يغلظ في القليل والكثير ، وقال ابن الجلاب : يحلف على أقل من ربع دينار في سائر المساجد ، وقال مالك : فيما حكاه ابن القاسم عنه : أنه يحلف قائماً إلاَّ من به علة ، وروى عنه ابن كنانة : لا يلزمه القيام ، وقال ابن القاسم : لا يستقبل القبلة ، وخالفه مطرف وابن الماجشون ، وهل يحلف في دبر صلاة وحين اجتماع الناس إذا كان المال كثيراً ؟ قال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ : ليس ذلك عليه . وقال ابن كنانة عن مالك : يتحرى به الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة . واختلف في صفة ما يحلف به ، فقال مالك : بالله الذي لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، وقال الشافعي : يزيد : الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، والذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية . قال سحنون : يحلف بالله وبالمصحف ، ذكره عنه الداودي ، وعند أصحابنا الحنفية : اليمين بالله لا بالطلاق والعتاق إلاَّ إذا ألحَّ الخصم ، ولا يبالي باليمين بالله ، فحينئذ يحلف بهما ، لكن إذا نكل لا يقضي عليه بالنكول ، لأنه امتنع عما هو منهي عنه شرعاً ، ولو قضى عليه بالنكول لا ينفذ ويغلظ اليمين بأوصاف الله تعالى ، وقيل : لا يغلظ على المعروف بالصلاح ، ويغلظ على غيره ، وقيل : يغلظ في الخطير من المال دون الحقير ، ولا يغلظ بزمان ولا بمكان . وفي ( التوضيح ) : هل يحلف بحضرة المصحف ؟ أباه مالك ، وألزمه ذلك بعض المالكيين في عشرين ديناراً فأكثر ، وعن ابن المنذر : أنه حكى عن الشافعي أنه قال : رأيت مطرفاً يحلف بحضرة المصحف . وقال النبِيُّ صلى الله عليه وسلم شاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ فَلَمْ يَخُصَّ مَكَانَاً دُونَ مَكان لما كان مذهب البخاري أن يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين ، احتج بهذا على ما ذهب إليه ، وقد مر هذا مسنداً في حديث الأشعث ، وهذا عجيب منه حيث وافق الحنفية في هذا . قيل : قد اعترض عليه بأنه ترجم لليمين بعد العصر ، فأثبت التغليظ بالزمان ونفى هنا الغليظ بالمكان ، وأجيب أنه لا يلزم من ترجمته بذلك أنه يوجب تغليظ اليمين بالزمان ، ولم يصرح هناك بشيء من النفي والإثبات .