تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وقال قُتَيْبَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ ابنِ شُبْرُمَةَ كلَّمَنِي أبُو الزِّنَادِ في شَهَادَةِ الشَّاهِدِ ويَمِينِ المُدَّعِي فقُلْتُ قال الله تعالى : * ( واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا الأُخْراى ) * ( البقرة : 282 ) . قُلْتُ إذَا كانَ يُكْتَفى بِشَهَادَةِ شاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِي فَمَا يَحْتاجُ أنْ تُذْكَرَ إحْدَاهُمَا الأخْراى ما كانَ يُصْنَعُ بِذِكْرِ هاذِهِ الأُخْراى كذا هكذا في كثير من النسخ : قال قتيبة ، معلقاً ، وفي بعضها : حدثنا قتيبة ، وكذا نقل عن الشيخ قطب الدين الحلبي الشارح ، وقال صاحب ( التلويح ) وكان الأول أظهر لأن البخاري لم يحتج في ( صحيحه ) بابن شبرمة ، وابن شبرمة هو عبد الله بن شبرمة بضم الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة والراء المضمومة : ابن الطفيل بن حسان الضبي أبو شبرمة الكوفي القاضي ، فقيه أهل الكوفة ، عداده في التابعين ، وكان عفيفاً صارماً عاقلاً فقيهاً ، يشبه النساك ، ثقة في الحديث ، شاعراً ، حسن الخلق ، استشهد به البخاري في ( الصحيح ) وروى له في الأدب وروى له مسلم وأبو داود وابن ماجة ، مات سنة أربع وأربعين ومائة ، وروى عن أبي حنيفة حديثاً واحداً . وأبو الزناد ، بكسر الزاي وتخفيف النون ، واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني قاضي المدينة ، قال العجلي : مدني تابعي ثقة ، سمع من أنس بن مالك ، مات سنة ثلاثين ومائة . قوله : إذا كان شرط ، وقوله : فما يحتاج ، جزاء ، وكلمة : ما ، نافية بخلاف قوله : ما كان ، فإنها استفهامية ، والفعلان : أعني : يحتاج ويصنع ، بلفظ المجهول أي : إذا جاز الكفاية على شاهد ويمين فلا يحتاج إلى تذكير إحداهما الأخرى إذ اليمين تقوم مقامها ، فما فائدة ذكر التذكير في القرآن ؟ وقال الكرماني : فائدته تتميم شاهد ، إذ المرأة الواحدة لا اعتبار لها ، لأن المرأتين كرجل واحد . انتهى . قلت : هذا كلام عجيب كأنه مخترع من عنده ، فكيف يكون حاصله : أن مذهب أبي الزناد القضاء بشاهد ويمين المدعي كأهل بلده ، ومذهب ابن شبرمة خلافه كأهل بلده ؟ فاحتج عليه أبو الزناد بالخبر الوارد في ذلك ، واحتج عليه ابن شبرمة بما ذكره من الآية الكريمة . وقال بعضهم : وإنما يتم له الحجة بذلك على أصل مختلف فيه بين الفريقين . وهو أن الخبر إذا ورد متضمناً لزيادة على ما في القرآن : هل يكون نسخاً ؟ والسنة لا تنسخ القران ، أو لا ؟ يكون نسخاً بل زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت سنده وجب القول به ، والأول مذهب الكوفيين والثاني مذهب الحجازيين ، ومع قطع النظر عن ذلك لا ينهض حجة ابن شبرمة لأنه يصير معارضة للنص بالرأي . انتهى . قلت : مذهب ابن شبرمة هو مذهب ابن أبي ليلى وعطاء والنخعي والشعبي والأوزاعي والكوفيين والأندلسيين من أصحاب مالك ، وهم يقولون : نص الكتاب العزيز في باب الشهادة : رجلان ، فإذا لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ، والحكم بشاهد ويمين مخالف للنص ، فلا يجوز ، والأخبار التي وردت بشاهد ويمين أخبار أحاد فلا يعمل بها عند مخالفتها النص ، لأنه يكون نسخاً ونسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز ، وقال بعضهم : النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا ، وأيضاً الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد ، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص . قلت : النسخ رفع الحكم قسم من أقسام النسخ لأنه على أربعة أقسام : نسخ الحكم والتلاوة جميعاً ، ونسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، والرابع : نسخ وصف الحكم ، وهو أيضاً مثل الزيادة على النص ، وهو نسخ عندنا ، وعند الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام ، حتى جوز ذلك بالقياس وبخبر الواحد ، وقول هذا القائل : النسخ رفع الحكم ، ليس على إطلاقه ، لأن النسخ من قبيل بيان التبديل ، لأن البيان عندنا خمسة أقسام : بيان تقرير ، وبيان تفسير ، وبيان تغيير ، وبيان ضرورة ، وبيان تبديل . والنسخ منه ، ومعناه : أن يزول شيء ويخلفه غيره ، ولا شك أن الحكم بشاهد ويمين رفع حكم الشاهدين ، أو الشاهد ، والمرأة ، وكيف يقول هنا : ولا رفع هنا ؟ وقوله : وأيضاً الناسخ والمنسوخ . . . إلى آخره ليس على إطلاقه ، لأنا نسلم أنه لا بد من توارد الناسخ والمنسوخ في محل واحد ولكن لا نسلم قوله : وهذا غير متحقق في الزيادة على النص ، لأن قائل هذا ، أي من كان لم يفرق بين نسخ الوصف وبين نسخ الذات ، والنسخ هنا من قبيل نسخ الوصف لا من قبيل نسخ الذات ، ونحن نقول : إن نسخ الوصف مثل نسخ الذات في الحكم ، فلهذا منعنا الحكم بشاهد ويمين ، وقال هذا القائل أيضاً : وتخصيص الكتاب بالسنة جائز ، وكذلك الزيادة عليه ، قلنا : لا نسلم أن الزيادة على النص كالتخصيص مطلقاً ، وإنما يكون كالتخصيص إذا كانت