تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
العمري والرقبى ، العمرى ، بضم العين المهملة وسكون الميم مقصوراً ، وحكي بضم العين والميم جميعاً ، وبفتح العين وسكون الميم . وقال ابن سيده : العمرى ، مصدر كالرجعي ، وأصل العمرى مأخوذ من العمر ، والرقبى بوزن العمرى كلاهما على وزن فعلى ، وأصل الرقبى من المراقبة . فإن قلت : ذكر في الترجمة العمرى والرقبى ، ولم يذكر في الباب إلاَّ حديثين في العمرى ، ولم يذكر شيئاً في الرقبى ؟ قلت : قيل : إنهما متحدان في المعنى ، فلذلك اقتصر على العمرى ، على أن النسائي روى بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً : العمرى والرقبى سواء ؟ قلت : هذا الجواب غير مقنع ، لأنا لا نسلم الاتحاد بينهما في المعنى فالعمرى من العمر والرقبى من المراقبة . وبينهما فرق في التعريف ، على ما يجيء بيانه ، ومعنى قول ابن عباس : هما سواء يعني : في الحكم ، وهو الجواز ، لا أنهما سواء في المعنى . أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْراى جَعَلْتُها لَهُ أشار بهذا إلى تفسير العمرى ، وهو أن يقول الرجل لغيره : أعمرته داري ، أي : جعلتها له مدة عمري . وقال أبو عبيد : العمرى أن يقول الرجل للرجل : داري لك عمرك ، أو يقول : داري هذه لك عمري ، فإذا قال ذلك وسلمها إليه كانت للمعمر ولم ترجع إليه إن مات ، وكذا إذا قال : أعمرتك هذه الدار ، أو : جعلتها لك حياتك ، أو : ما بقيت ، أو : ما عشت ، أو : ما حييت ، وما يفيد هذا المعنى . وقال شيخنا ، رحمه الله : العمرى على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يقول : أعمرتك هذه الدار ، فإذا مت فهي لعقبك أو ورثتك ، فهذه صحيحة عند عامة العلماء . وذكر النووي أنه لا خلاف في صحتها ، وإنما الخلاف : هل يملك الرقبة أو المنفعة فقط ؟ وسنذكره إن شاء الله تعالى . القسم الثاني : أن لا يذكر ورثته ولا عقبه ، بل يقول : أعمرتك هذه الدار ، أو : جعلتها لك ، أو نحو هذا ، ويطلق . . . ففيها أربعة أقوال . أصحها : الصحة كالمسألة الأولى ، ويكون له ولورثته من بعده ، وهو قول الشافعي في الجديد ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وأبو عبيد وآخرون . القول الثاني : أنها لا تصح لأنه تمليك مؤقت ، فأشبه ما لو وهبه أو باعه إلى وقت معين ، وهو قول الشافعي في القديم . الثالث : أنها تصح ويكون للمعمَر في حياته فقط ، فإذا مات رجعت إلى المعمِرِ أو إلى ورثته إن كان قد مات ، وحكى هذا أيضاً عن القديم . الرابع : أنها عارية يستردها المعمِر متى شاء ، فإذا مات عادت إلى ورثته . القسم الثالث : أن لا يذكر العقب ولا الورثة ، ولا يقتصر على الإطلاق ، بل يقول : فإذا مت رجعت إلي ، أو : إلى ورثتي إن كنت مت . فإن قلنا : بالبطلان في حالة الإطلاق فههنا أولى ، وكذلك في الإطلاق بالصحة ، وعودها بعد موت المعمَر إلى المعمِّر ، وإن قلنا : إنها تصح في حالة الإطلاق ، ويتأبد الملك ففيه وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما : عدم الصحة . قال الرافعي : وهو أسبق إلى الفهم ، ورجحه القاضي ابن كج ، وصاحب التمة ، وبه جزم الماوردي . والثاني : يصح ، ويلغو الشرط ، وعزاه الرافعي للأكثرين . ثم اختلف العلماء فيما ينتقل إلى المعمَر : هل ينتقل إليه ملك الرقبة حتى يجوز له البيع والشراء والهبة وغير ذلك من التصرفات ، أو إنما تنتقل إليه المنفعة فقط . كالوقف ؟ فذهب الجمهور إلى أن ذلك تمليك للرقبة ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وذهب مالك إلى أنه إنما يملك المنفعة فقط ، فعلى هذا فإنها ترجع إلى المعمر إذا مات المعمَر عن غير وارث ، أو انقرضت ورثته ، ولا يرجع إلى بيت المال . ثم ههنا مسائل متعلقة بهذا الباب . الأولى : العمرى المذكورة في أحاديث هذا الباب وفي غيره ، هل هي عامة في كل ما يصح تمليكه من العقار والحيوان والأثاث وغيرها ، أو يختص ذلك بالعقار ؟ الجواب : أن أكثر ورود الأحاديث في الدور والأراضي ، فإما أن يكون خرج مخرج الغالب فلا يكون له مفهوم ، ويعم الحكم كل ما يصح تمليكه . أو يقال : هذا الحكم ورد على خلاف الأصل ، فيقتصر على مورد النص ، فلا يتعدى به إلى غيره ، قال شيخنا : لم أرَ من تعرض لذلك ، إلاَّ أن الرافعي مثل في أمثلة العمري بغير العقار ، فقال : ولو قال : داري لك عمرك فإذا مت فهي لزيد ، أو : عبدي لك عمرك فإذا مت فهو حر ، تصح العمرى على قولنا الجديد ، ولغى المذكور بعدها ، فعلم من هذا جريان الحكم في العبيد وغيرهم . الثانية : هل يستوي في العمرى تقييد ذلك بعمر الواهب كما لو قيده بعمر الموهوب ؟ فعن أبي عبيد التسوية بينهما ، لأنه فسر العمري بأن يقول للرجل : هذه الدار لك عمرك أو عمري ، ولكن عند أصحاب الشافعي عدم الصحة في هذه الصورة . قال الرافعي : ولو قال : جعلت لك هذه الدار عمري أو حياتي الثالثة : إذا قيد الواهب العمرى بعمر أجبني ، بأن قال : جعلت هذه الدار لك عمر زيد ، فهل يصح ؟ قال الرافعي : أجرى فيه الخلاف فيما إذا قال : عمري أو حياتي
عمدة القاري — صفحة 178 | العيني