تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قال في الكلوم في سبيل الله : ( الريح ريح مسك ) . وقال شيخنا زين الدين ، رحمه الله تعالى ، وقد اختلف الشيخ تقي الدين ابن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في طيب رائحة الخلوف ، هل هي في الدنيا أو في الآخرة ؟ فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة ، كما في دم الشهيد ، واستدل بما رواه مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح : ( أطيب عند الله يوم القيامة ) ، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا ، فاستدل بما رواه ابن حبان : ( فم الصائم حين يخلف من الطعام ) ، وبما رواه الحسن بن شعبان في ( مسنده ) والبيهقي في ( الشعب ) من حديث جابر في فضل هذه الأمة : ( فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ) . وقال المنذري : إسناده مقارب ، وقال ابن بطال : معنى ( عند الله ) أي : في الآخرة ، كقوله تعالى : * ( وإن يوما عند ربك ) * ( الحج : 74 ) . يريد أيام الآخرة . فإن قلت : يعكر عليه بحديث البيهقي على ما لا يخفى ؟ قلت : لا مانع من أن يكون ذلك في الدنيا والآخرة . قوله : ( يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلى ) أي : قال الله تعالى : يترك الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، إنما قدرنا هذا ليصح المعنى ، لأن سياق الكلام يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ : ( والذي نفسي بيده ) ولفظ : ( لأجلي ) ، من متكلم واحد فلا يصح المعنى على ذلك ، فلذلك قدرنا ذلك ، ويؤيد ما قلناه ما رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك ، فقال بعد قوله : ( من ريح المسك ، يقول الله ، عز وجل : إنما يذر شهوته وطعامه ) وكذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد ، فقال في أول الحديث : ( يقول الله ، عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به ، وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي ) . قيل : المراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب . قلت : الشهوة أعم ، فيكون من قبيل عطف العام على الخاص ، ولكن قدم لفظ الشهوة سعيد بن منصور في الحديث المذكور آنفا ، وكذلك من رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليهما ، فيكون من قبيل عطف الخاص على العام ، وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه : ( يدع الطعام والشراب من أجلي ، ويدع لذته من أجلي ، ويدع زوجته من أجلي ) ، وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه : ( يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) ، وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه : ( من الطعام والشراب والجماع من أجلي ) ، وقال الكرماني هنا : فإن قلت : فهذا قول الله وكلامه ، فما الفرق بينه وبين القرآن ؟ قلت : القرآن لفظه معجز ومنزل بواسطة جبريل ، عليه السلام ، وهذا غير معجز وبدون الواسطة ، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإل 1764 ; هي والرباني . فإن قلت : الأحاديث كلها كذلك ، وكيف ، وهو : ما ينطق عن الهوى ؟ قلت : الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله ومروي عنه ، بخلاف غيره ، وقد يفرق بأن القدسي ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى وبصفاته الجلالية والجمالية منسوبا إلى الحضرة تعالى وتقدس ، وقال الطيبي : القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل ، عليه السلام ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز ، والقدسي إخبار الله رسوله معناه بالإلهام أو بالمنام ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بعبارة نفسه ، وسائر الأحاديث لم يضفه إلى الله ولم يروه عنه . قوله : ( الصيام لي ) ، كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها ، وفي ( الموطأ ) : ( فالصيام ) ، بالفاء وهي للسببية أي : بسبب كونه لي إنه يترك شهوته لأجلي ، ووقع في رواية مغيرة عن أبي الزناد عن سعيد بن منصور : ( كل عمل ابن آدم هو له إلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به ) ، ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح التي تأتي . قوله : ( وأنا أجزي به ) ، بيان لكثرة ثوابه ، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظمته وسعته ، وقال الكرماني : تقديم الضمير للتخصيص أو للتأكيد والتقوية ؟ قلت : يحتملهما ، لكن الظاهر من السياق الأول أي : أنا أجازيه لا غيري بخلاف سائر العبادات ، فإن جزاءها قد يفوض إلى الملائكة ، وقد أكثروا في معنى قوله : ( الصوم لي وأنا أجزي به ) ، وملخصه : أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ، لأنه لا يظهر من ابن آدم بفعله ، وإنما هو شيء في القلب ، ويؤيده ما رواه الزهري مرسلاً . قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس في الصوم رياء ) ، رواه أبو عبيد في كتاب الغريب عن شبابة عن عقيل عن الزهري ، قال : وذلك لأن الأعمال لا تكون إلاَّ بالحركات إلاَّ الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس ، وروى البيهقي هذا من وجه آخر : عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، ولفظه : ( الصيام لا رياء فيه ، قال الله ، عز وجل : هو لي ) وفيه مقال ، قيل : لا يدخله الرياء بفعله وقد يدخله بقوله ، بأن أخبر أنه صائم فكان دخول الرياء فيه من جهة الإخبار ، بخلاف بقية الأعمال ، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها . قلت : فيه نظر
عمدة القاري — صفحة 259 | العيني