صاحبه ما يؤذيه من الشهوات ، وقال عياض : معناه يستر من الآثام أو من النار أو بجميع ذلك ، وبالأخير قطع النووي . قوله : ( فلا يرفث ) ، بفتح الفاء وكسرها وضمها معناه : لا يفحش ، والمراد من الرفث هنا الكلام الفاحش ، ويطلق على الجماع وعلى مقدماته ، وعلى ذكره مع النساء ، ويحتمل أن يكون النهي عما هو أعم منها . قوله : ( ولا يجهل ) أي : لا يفعل شيئا من أفعال الجاهلية : كالعياط والسفه والسخرية ، ووقع في رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه : ( فلا يرفث ولا يجادل ، وقال القرطبي : لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر ، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم . قوله : ( وإن امرؤ قاتله ) ، كلمة : إن ، مخففة موصولة بما بعده تقديره : وإن قاتله امرؤ ، ولفظ : قاتله ، يفسره كما في قوله تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك ) * ( التوبة : 6 ) . أي : استجارك أحد من المشركين . ومعنى قاتله : نازعه ودافعه . قوله : ( أو شاتمه ) أي : أو تعرض للمشاتمة ، وفي رواية أبي صالح : ( فإن سابه أحد ) ، وفي رواية أبي قرة عن طريق سهيل عن أبيه : ( وإن شتمه إنسان فلا يكلمه ) ، ونحوه في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ، وفي رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل : ( فإن سابه أحد أو ماراه ) ، يعني : جادله ، وفي رواية ابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة : ( فإن شاتمك أحد ، فقل : إني صائم ، وأن كنت قائما فاجلس ) . وقد ذكرنا في رواية الترمذي ، ( وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إني صائم ) .
قال شيخنا زين الدين : اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال : أحدهما : أن يقول ذلك بلسانه إني صائم حتى يعلم من يجهل أنه معتصم بالصيام عن اللغو والرفث والجهل والثاني أن يقول ذلك لنفسه أي : وإذا كنت صائما فلا ينبغي أن أخدش صومي بالجهل ونحوه ، فيزجر نفسه بذلك . والقول الثالث : التفرقة بين صيام الفرض والنفل ، فيقول ذلك بلسانه في الفرض ، ويقوله لنفسه في التطوع ، قوله : ( فليقل ) ، قال الكرماني : أي : كلاما لسانيا ليسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالبا أو كلاما نفسانيا أي : يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته ، وعند الشافعي : يجب الحمل على كلا المعنيين .
واعلم أن كل أحد منهي عن الرفث والجهل والمخاصمة ، لكن النهي في الصائم آكد . قال الأوزاعي : يفطر السب والغيبة ، فقيل : معناه أنه يصير في حكم المفطر في سقوط الأجر لا أنه يفطر حقيقة . انتهى كلامه . فإن قلت : قاتله أو شاتمه من باب المفاعلة وهي للمشاركة بين الاثنين ، والصائم مأمور بالكف عن ذلك ؟ قلت : لا يمكن حمله على أصل الباب ، ولكنه قد يجيء بمعنى : فعل ، يعني لنسبة الفعل إلى الفاعل لا غير ، كقولك : سافرت بمعنى نسبت السفر إلى المسافر ، وكما في قولهم : عافاه الله ، وفلان عالج الأمر ، ويؤيد هذا ما ذكرنا من رواية سهيل عن أبيه : ( وإن شتمه إنسان فلا يكلمه ) ، وقد مضى عن قريب .
قوله : ( مرتين ) اتفقت الروايات كلها على أنه يقول : إني صائم ، فمنهم من ذكرها مرتين ، ومنهم من اقتصر على واحدة . قوله : ( والذي نفسي بيده ) ، أقسم على ذلك للتأكيد . قوله : ( لخلوف فم الصائم ) بضم الخاء المعجمة لا غير ، هذا هو لمعروف في كتب اللغة ، والحديث ، ولم يحك صاحبا ( المحكم ) و ( الصحاح ) غيره . وقال عياض : وكثير من الشيوخ يروونه بفتحها ، قال الخطابي : وهو خطأ . قال القاضي : وحكي عن القابسي فيه الفتح والضم ، وقال أهل المشرق : يقولونه بالوجهين والصواب الأول . وفي ( التلويح ) : وفي رواية ( لخلفة فم الصائم ) ، بالضم أيضا ، وقال البرقي : هو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام ، يقال : خلف فوه بفتح الخاء واللام يخلف ، بضم اللام وأخلف يخلف إذا تغير ، واللغة المشهورة : خلف . وقال المازري : هذا مجاز واستعارة ، لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباع يميل إلى شيء يستطيبه وينفر من شيء يستقذره ، والله سبحانه وتعالى تقدس عن ذلك ، لكن جرت عادتنا على التقرب للروائح الطيبة ، فاستغير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى ، وقال عياض : يجازيه الله تعالى به في الآخرة ، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك ، وقيل : لكثرة ثوابه وأجره ، وقيل : يعبق في الآخرة أطيب من عبق المسك ، وقيل : طيبه عند الله رضاه به ، وثناؤه الجميل ، وثوابه . وقيل : إن المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوق أكثر مما يستطيبون ريح المسك ، وقال البغوي : معناه الثناء على الصائم والرضى بفعله ، وكذا قاله القدوري من الحنفية ، وابن العربي من المالكية ، وأبو عثمان الصابوني وأبو بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية ، جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضى والقبول ، وقال القاضي ، وقد يجزيه الله تعالى في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك ، كما
عمدة القاري — صفحة 258
مساهمون: العيني
ص٢٥٨