تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها . . . ) فذكر الحديث وزاد فيه : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ، ألاَّ لا يقتل مؤمن بكافرٍ ، ولا ذو عهد في عهده ، وقال فيه : إن إبراهيم حرَّم ، وإني أحرم ما بين حرتيها ، وحماها كله لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ، ولا تقطع منها شجرة إلاَّ أن يعلف رجل بعيره ، ولا يحمل فيها السلاح لقتال ) . والباقي نحوه . وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن قتادة عن أبي حسان عن الأشتر عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وفي رواية أحمد وأبي داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن ( عن قيس بن عباد ، قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، فقلنا : هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة ؟ قال : لا ، إلاَّ ما في كتابي هذا . قال : وكتاب في قراب سيفه ، فإذا فيه : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ) ، فذكر مثل ما تقدم إلى قوله : ( في عهده : من أحدث حدثا ) إلى قوله : ( أجمعين ) ، ولم يذكر بقية الحديث ، وروى مسلم من طريق أبي الطفيل : ( كنت عند علي فأتاه رجل ، فقال : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك ؟ فغضب ، ثم قال : ما كان يسر إليَّ شيئا يكتمه عن الناس ، غير أنه حدثني بكلمات أربع . . . ) وفي رواية له : ( ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بشيء لم يعم به الناس كافة ، إلاَّ ما كان في قراب سيفي هذا ، فأخرج صحيفة مكتوب فيها : لعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من سرق منار الأرض ، ولعن الله من لعن والده ، ولعن الله من آوى محدثا ) . وقد تقدم في كتاب العلم من طريق أبي جحيفة . ( قلت لعلي ، رضي الله تعالى عنه : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلاَّ كتاب الله . . ) الحديث . فإن قلت : كيف وجه الجمع بين هذه الأخبار ؟ قلت : وجه ذلك أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر ، فنقل كل من الرواة بعضها ، وأتمها سياقا طريق أبي حسان كما ترى . والله أعلم . قوله : ( المدينة حرم ) ، بفتحتين أي : محرمة لا تنتهك حرمتها . قوله : ( ما بين عائر إلى كذا ) ، وعائر بالعين المهملة والألف والهمزة والراء ، وهو جبل بالمدينة ، ويروى : ( ما بين عير ) ، بدون الألف . وقال القاضي عياض أكثر رواة البخاري ذكروا ( عيرا ) ، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بلفظ كذا ، ومنهم من ترك مكانه بياضا . وقد مر الكلام فيه مستقصىً في أول : باب حرم المدينة . قوله : ( من أحدث فيها ) ، أي : في المدينة ، ورواية قيس بن عباد التي تقدمت تفيد بهذا لأن ذلك مختص بالمدينة لفضلها وشرفها . قوله : ( أو آوى ) بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعا ، لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر . قوله : ( محدثا ) قد ذكرنا أن فيه فتح الدال وكسرها ، فالمعنى بالفتح أي : المحدث في أمر الدين والسنة ، ومعنى الكسر صاحبه الذي أحدثه أو جاء ببدعة في الدين أو بدل سنة . وقال التيمي : يعني من ظلم فيها أو أعان ظالما . قوله : ( صرف ) أي : فريضة . ( وعدل ) أي : نافلة . وقال الحسن : الصرف النافلة ، والعدل الفريضة ، عكس قول الجمهور . وقال الأصمعي : الصرف التوبة والعدل الفدية . قالوا : معناه لا تقبل قبول رضىً ، وإن قبلت قبول جزاء ، وعن أبي عبيدة الصرف الاكتساب والعدل الحيلة ، وقيل : الصرف الدية والعدل الزيادة عليها ، وقيل بالعكس ، وفي ( المحكم ) : الصرف الوزن والعدل الكيل ، وقيل : الصرف القيمة والعدل الاستقامة ، وقيل : الصرف الشفاعة والعدل الفدية ، وبه جزم البيضاوي ، وقيل : القبول بمعنى تكفير الذنب بهما ، وقال عياض : وقد يكون معنى الفدية هنا لأنه لا يجد في القيامة فداءً يفتدى به ، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأنه يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في ( الصحيح ) . قوله : ( ذمة المسلمين ) أي : عهدهم وأمانهم صحيح ، فإذا آمن الكافر واحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ، ونقض ذمته ، وللأمان شروط مذكورة في كتب الفقه . قوله : ( فمن أخفر مسلما ) أي : نقض عهده ، يقال : خفرت الرجل بغير ألف إذا آمنته ، وأخفرته إذا نقضت عهده ، فالهمزة للإزالة ، وقد علم في علم الصرف أن الهمزة في : أفعل تأتي لمعان : منها : أنها تأتي للسلب ، يعني لسلب الفاعل من المفعول أصل الفعل نحو أشكيته ؟ أي : أزالت شكايته ، والهمزة في : أخفر ، من هذا القبيل . قوله : ( ومن تولى قوما ) أي : من اتخذهم أولياء . قوله : ( بغير إذن مواليه ) ، ليس بشرط ، لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه ، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب ، وقال الخطابي : لم يجعل إذن الموالي شرطا في ادعاء نسب أو ولاء ، ليس هو منه ، وإليه ، وإنما ذكر الإذن في هذا تأكيدا للتحريم لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك ، وفي رواية مسلم : ( وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله ) .
عمدة القاري — صفحة 233 | العيني