تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
على مكة . قوله : ( يقولون : يثرب ) أراد أن بعض المنافقين يقولون للمدينة : يثرب ، يعني يسمونها بهذا الاسم ، واسمها الذي يليق بها : المدينة ، وقد كره بعضهم من هذا تسمية المدينة يثرب ، وقالوا : ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين ، وروى أحمد من حديث البراء بن عازب ، رضي الله تعالى عنه ، رفعه : ( من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى : هي طابة ) . وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة : يثرب ) ، ولهذا قال عيسى بن دينار ، من المالكية : من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة ، قالوا : وسبب هذه الكراهة لأن يثرب من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة ، أو من الثرب وهو الفساد ، وكلاهما مستقبح ، وكان صلى الله عليه وسلم ، يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ، قوله : ( تنفي الناس ) ، قال أبو عمر : أي : تنفي شرار الناس ، ألا يرى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد ، والكير إنما ينفي ردئ الحديد وخبثه ، ولا ينفي جيده ؟ قال وهذا عندي ، والله أعلم ، إنما كان في حياته صلى الله عليه وسلم ، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة رغبة عن جواره فيها إلاَّ من لا خير فيه . وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار ، وقال عياض : وكان هذا يختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلاَّ من ثبت إيمانه ، وقال النووي : وليس هذا بظاهر ، لأن عند مسلم : ( لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ) ، وهذا ، والله أعلم ، زمن الدجال . قوله : ( كما ينفي الكير ) ، بكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف ، وفي ( التلويح ) : الكير هو دار الحديد والصائغ وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرا ، كذا قال أهل اللغة ، ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحمى كير من جهنم ، وهو نصيب المؤمن من النار ) . وقيل : في الكير لغة أخرى : كور ، بضم الكاف ، والمشهور بين الناس أنه : الزق الذي ينفخ فيه ، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير : حانوت الحداد والصائغ وقال ابن التين : وقيل : الكير هو الزق ، والحانوت هو الكور . وفي ( المحكم ) : الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد ، ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في ( أخبار المدينة ) بإسناده إلى أبي مردود ، قال : رأى عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، كير حداد في السوق ، فضربه برجله حتى هدمه ، وفي ( المحكم ) والجمع أكيار وكيرة ، وعن ثعلب : كيران ، وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة ، إنما الكيران جمع كور ، وهو المرجل . وفي ( الصحاح ) : المنجل ، وعن أبي عمرو : الكير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات . قوله : ( خبث الحديد ) بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة ، وفي آخره ثاء مثلثة ، وهو وسخ الحديد الذي تخرجه النار . وقال الكرماني : ويروى ، بضم الخاء وسكون الباء ، وفيه نظر ، والمراد أنها لا ينزل فيها من في قلبه دغل ، بل يميزه عن القلوب الصادقة ويخرجه ، كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده ، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع بها التمييز . ذكر ما يستفاد منه : قال المهلب بن أبي صفرة : هذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة ، لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام ، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة ، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة ، وروى عن أحمد خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، وقال ابن حزم : روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبيد الله بن عدي ، منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة ، قال : وهو قول جميع الصحابة وجمهور العلماء ، واحتج مقلد ومالك بأخبرا ثابتة منها ، قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ) . قال : ولا حجة لهم فيه ، إنما فيه أنه حرمها كما حرمها إبراهيم ، وبقوله : ( اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا ) ، وبقوله : ( اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة ) ، قال : ولا حجة لهم فيهما ، إنما فيهما الدعاء للمدينة وليس من باب الفضل في شيء ، وبقوله : المدينة كالكير ) ، ولا حجة لهم ، لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت ، وفي قوم دون قوم ، وفي خاص دون عام ، انتهى . واحتج بعضهم على تفضيل المدينة على مكة بقوله : ( كما ينفي الكير خبث الحديد ) ، ولا حجة في ذلك ، لأن هذا في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى : * ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) * ( التوبة : 101 ) . والمنافق خبيث بلا شك ، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون ، وهم من أطيب الخلق ، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ، ووقت دون وقت .