الآية ، وأن الأتقى لا يردها ، إلاَّ أن وجود تلك المذكورات يمنع من القول بالتخصيص . واللَّه تعالى أعلم .
وفيه تقرير مصير القسمين المتقدمين ، من أعطى واتقى وصدق ، ومن بخل واستغنى وكذب ، وأن صليها بسبب التكذيب والتولي والإعراض وهو عين الشقاء ، ويتجنبها الأتقى الذي صدق ، وكان نتيجة تصديقه أنه أعطى ماله يتزكى ، وجعل إتيان المال نتيجة التصديق أمر بالغ الأهمية .
وذلك أن العبد لا يخرج من ماله شيئاً إلاَّ بعوض ، لأن الدنيا كلها معاوضة حتى الحيوان تعطيه علفاً يعطيك ما يقابله من خدمة أو حليب . إلخ .
فالمؤمن المصدق بالحسنى يعطي وينتظر الجزاء الأوفى الحسنة بعشر أمثالها ، لأنه مؤمن أنه متعامل مع اللَّه ، كما في قوله : * ( مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) * .
أما المكذب : فلم يؤمن بالجزاء آجلاً ، فلا يخرج شيئاً لأنه لم يجد عوضاً معجلاً ، ولا ينتظر ثواباً مؤجلاً ، ولذا كان الذين تبؤوا الدار والإيمان ، يحبون من هاجر إليهم ويواسونهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إيماناً بما عند اللَّه ، بينما كان المنافقون لا ينفقون إلا كرهاً ولا يخرجون إلا الرديء ، الذي لم يكونوا ليأخذوه من غيرهم إلاَّ ليغمضوا فيه ، ولك ذلك سببه التصديق بالحسنى أو التكذيب بها .
ولذا جاء في الحديث الصحيح ( والصدقة برهان ) أي على صحة الإيمان بما وعد الله المتقين ، من الخلف المضاعفة الحسنة .
وقوله : * ( يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى ) * ، أي يتطهر ويستزيد ، إذ التزكية تأتي بمعنى النماء ، كقوله تعالى : * ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) * ، وهذا رد على قوله تعالى : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ) * ، وعلى عموم : * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) * ، ولا يقال : إنها زكاة المال ، لأن الزكاة لم تشرع إلا بالمدينة ، والسورة مكية عند الجمهور ، وقيل : مدنية . والصحيح الأول .
أضواء البيان — صفحة 552
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٥٢