وقد فصل أبو حيان على ما قدمنا ، فقال : إن كان بمعنى الحضور ، فالشاهد الإنسان والمشهود يوم القيامة ، ولما ذكر اليوم الموعود ناسب أن يذكر كل من يشهد في ذلك اليوم ، ومن يشهد عليه ، وذكر نحوًا من عشرين قولاً . وقال : كل له متمسك ، والذي يظهر والله تعالى أعلم : أنه من باب الشهادة لأن ذكر اليوم الموعود وهو يكفي عن اليوم المشهود ، بل إنه يحتاج إلى من يشهد فيه وتقام الشهادة على ما سيعرض فيه لإقامة الحجة على الخلق لا لإثبات الحق .
وقد جاء في القرآن تعداد الشهود في ذلك اليوم ، مما يتناسب مع العرض والحساب .
ومجمل ذلك أنها تكون خاصة وعامة وأعم من العامة ، فمن الخاصة شهادة الجوارح على الإنسان كما في قوله تعالى : * ( حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * ، وقوله : * ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) * ، وهذه شهادة فعل ومقال لا شهادة حال ، كما بينها قوله تعالى عنهم : * ( وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) * ، ورد الله زعمهم ذلك بقوله : * ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ ) * .
وتقدم للشيخ بيان شهادة الأعضاء في سورة يس وفي سورة النساء عند قوله تعالى : * ( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) * ، وشهادة الملائكة وهم الحفظة كما في قوله تعالى : * ( وَقَالَ قَرِينُهُ هَاذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ) * ، وقوله : * ( وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ) * ، ثم شهادة الرسل كل رسول على أمته ، كما في قوله عن عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، * ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ) * ، فهذا وإن كان في الحياة فسيؤديها يوم القيامة .
وكقوله في عموم الأمم * ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ ) * .
أضواء البيان — صفحة 478
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٧٨