نوراً ، وضرب بينهم بالسور المذكور أنهم ينادون المؤمنين : ألم نكن معكم ، أي في دار الدنيا ، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم ؟ قالوا : بلى ، أي كنتم معنا في دار الدنيا ، ولكنكم فتنتم أنفسكم .
وقد قدمنا مراراً معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن ، وبينا أن من معاني إطلاقاتها في القرآن الضلال كالكفر والمعاصي ، وهو المراد هنا أي فتنتم أنفسكم : أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : * ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * أي لا يبقى شرك كما تقدم إيضاحه ، وقوله : * ( وَتَرَبَّصْتُمْ ) * التربص : الانتظار ، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين الدوائر أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم ، كقوله تعالى : في منافقي الأعراب المذكورين في قوله : * ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الاٌّ عْرَابِ مُنَافِقُونَ ) * ، * ( وَمِنَ الاٌّ عْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ ) * وقوله تعالى : * ( وَارْتَبْتُمْ ) * أي شككتم في دين الإسلام ، وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم : * ( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاٌّ خِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) * .
وقوله تعالى : * ( وَغرَّتْكُمُ الاٌّ مَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ ) * الأماني جمع أمنية ، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل ، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم ، وأن المؤمنين حقاً سفهاء في صدقهم ، أي في إيمانهم ، كما بين تعالى ذلك في قوله : * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السُّفَهَآءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ ) * ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من كون الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى * ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) * إلى قوله * ( وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) * .
وقوله : * ( حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ ) * ، الأظهر أنه الموت لأنه ينقطع به العمل .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) * هو
أضواء البيان — صفحة 545
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٤٥