وقوله تعالى : * ( اتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) * .
وقوله تعالى : * ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * .
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة .
فالعمل بالوحي ، هو الاتباع كما دلت عليه الآيات .
ومن المعلوم الذي لا شك فيه ، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه من الوجوه ، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه .
فاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد ، وأن مواضع الاتباع ليست محلاً أصلاً للاجتهاد ولا للتقليد .
فنصوص الوحي الصحيحة الواضحة الدلالة السالمة من المعارض لا اجتهاد ولا تقليد معها البتة .
لأن اتباعها والإذعان لها فرض على كل أحد كائناً من كان كما لا يخفى .
وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد .
وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد .
فجعل شروط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما خلط وخبط ، كما ترى .
والتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه .
وأنه يصح علم حديث والعمل به ، وعلم آية والعمل بها .
ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد .
فيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة ، ويعمل بكل ما علم من ذلك ، كما كان عليه أول هذه الأمة ، من القرون المشهود لها بالخير .
التنبيه الخامس
اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور ، يقولون :
هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة ، وتقديمهما على آراء
أضواء البيان — صفحة 353
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٥٣