ويقول في غير موضع : ما رأيت أحداً اقتدى به يفعله ، ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال .
وقد قال الشافعي في الصحابة : رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا ، ونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا .
وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا .
وذلك عام في كل علم وصناعة .
وقد فاوت الله سبحانه بين قوي الأذهان ، كما فاوت بين الأبدان ، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله ، والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها .
ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء ، بل جعل سبحانه تعالى هذا عالماً ، وهذا متعلماً وهذا متبعاً للعالم مؤتماً به بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع ، وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعاً للعالم مؤتماً به مقلداً له يسير بسيره وينزل بنزوله .
وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق ، فهل فرض على كل منهم عين ، أن يأخذ حكم نازلة من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها ؟
وهل ذلك في إمكان أحد فضلاً عن كونه مشروعاً ؟
وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا البلاد ، وكان الحديث العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه .
ولا يقولون له عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل ولا يعرف ذلك عن أحد منهم البتة .
وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود ؟ فهو من لوازم الشرع والقدر .
والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد . وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها .
ونقول لمن احتج على إبطاله : كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم ، فليس بيدك إلا تقليد الراوي .
أضواء البيان — صفحة 320
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٢٠