تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وقال القرطبي في تفسير قوله : * ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) * ومعنى هذا : أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغنى ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه ، ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ، كما قال الضحاك في معنى : أتصبرون : أي على الحق ، وأصحاب البلايا يقولون : لِمَ لَمْ نعاف ، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير ؟ وهكذا صاحب كل آفة ، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء ، وحكام العدل ألا ترى إلى قولهم : * ( لَوْلاَ نُزّلَ هَاذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى ، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر ، وذلك عن الضجر . انتهى محل الغرض من كلام القرطبي . وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض . فاعلم أن قوله تعالى : * ( وَكَذالِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) * الآية . فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين ، حيث احتقروهم وازدروهم ، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم ، ورثاثة حالهم ، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم * ( لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) * وقال * ( عَلَيْهِ الذّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل ) * إلى غير ذلك من الآيات ، وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا كما قال تعالى : * ( أَهَاؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) * وقوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ) * إلى قوله تعالى : * ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الاْرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) * وقوله تعالى : * ( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) * وقوله تعالى : أتصبرون ، أي على الحق أم لا تصبرون . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ) * .
أضواء البيان — صفحة 36 | مكتب البحوث والدراسات / الشنقيطي