تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
في أنه ليس على علم مما يقوله ؛ لأن من جزم بشئ ثم جوّز فيه النقيضين دلّ ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به . والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرّد الترتيب الذكري والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط ، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات أسلوب عربيّ معروف جاء في القرءان في مواضع ، وهو كثير في كلام العرب . ومن أمثلته في القرءان العظيم ، قوله تعالى : * ( فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا ادرَكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ ) * ، فلا يخفى أن * ( ثُمَّ ) * حرف ترتيب وأن المرتب به الذي هو كونه * ( مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ ) * لا ترتّب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذكري ، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى : * ( وَأَنَّ هَاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء ) * ، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري . وقد قدّمنا الكلام على هذا في سورة ( البقرة ) ، في الكلام على قوله تعالى : * ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) * ، ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله : وقد قدّمنا الكلام على هذا في سورة ( البقرة ) ، في الكلام على قوله تعالى : * ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) * ، ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله : * إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جدّه * وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ) * ، لم يذكر في هذه الآية إلا المشارق وحدها ، ولم يذكر فيها المغارب . وقد بيَّنا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) : وجه اختلاف ألفاظ الآيات في ذلك ، فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى : * ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) * ، ما لفظه أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب ، وثناهما في سورة ( الرحمان ) ، في قوله تعالى : * ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) * ، وجمعهما في سورة ( سأل سائل ) ، في قوله تعالى : * ( فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ) * ، وجمع المشارق في سورة ( الصافّات ) ، في قوله تعالى : * ( رَبّ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ) * .