. بيَّن جلَّ وعلا أن العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزءون غير مكتفين بتكذيبه ، بل جامعين معه الاستهزاء .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ ) * ، نصّ صريح في تكذيب الأُمم لجميع الرسل لما تقرّر في الأصول ، من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها * ( مِنْ ) * ، فهي نص صريح في عموم النفي ، كما هو معروف في محلّه .
وهذا العموم الذي دلَّت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أُخر ، وجاء في بعض الآيات إخراج أُمّة واحدة عن حكم هذا العموم بمخصّص متّصل ، وهو الاستثناء .
فمن الآيات الموضحة لهذا العموم ، قوله تعالى : * ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء ) * ، إلى قوله : * ( فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) * .
وقد قدّمنا الكلام على هذا في سورة ( قد أفلح المؤمنون ) ، في الكلام على قوله تعالى : * ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) * .
وقدّمنا طرفًا من الكلام عليه في سورة ( الأنعام ) ، في الكلام على قوله تعالى : * ( وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) * .
وأمّاالأُمَّة التي أُخرجت من هذا العموم فهي أُمة يونس ، والآية التي بيّنت ذلك هي قوله تعالى : * ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فِى الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَئَامَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) * ، والحسرة أشدّ الندامة ، وهو منصوب على أنه منادى عامل في المجرور بعده ، فأشبه المنادى المضاف .
والمعنى : * ( خَامِدُونَ ياحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) * تعالي واحضري فإن الاستهزاء بالرسل هو أعظم الموجبات لحضورك . * ( وَءَايَةٌ لَّهُمُ الاٌّ رْضُ الْمَيْتَةُ ) * ، إلى قوله : * ( أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ) * ) * .
أضواء البيان — صفحة 295
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩٥