الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * ، وذكرنا حديث جرير وأبي هريرة ، في صحيح مسلم في إيضاح ذلك .
ومن الآيات الدالَّة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنّه من هدى أو ضلالة ، قوله تعالى : * ( يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) * ، بناء على أن المعنى * ( بِمَا قَدَّمَ ) * : مباشرًا له ، * ( وَأَخَّرَ ) * : مما عمل به بعده مما سنّه من هدى أو ضلال ، وقوله تعالى : * ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) * ، على القول بذلك .
وأمّا على التفسير الثاني : وهو أن معنى * ( ءاثَارِهِمْ ) * : خطاهم إلى المساجد ونحوها ، فقد جاء بعض الآيات دالاًّ على ذلك المعنى ؛ كقوله تعالى : * ( وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ) * ، لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم .
وأمّا الرابع : وهو قوله تعالى : * ( وَكُلَّ شىْء أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ ) * ، فقد تدلّ عليه الآيات الدالَّة على الأَمر الثاني ، وهو كتابة جميع الأَعمال التي قدّموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال .
وأمّا على فرض كونه عامًّا ، فقد دلَّت عليه آيات أُخر ؛ كقوله تعالى : * ( وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْء عَدَداً ) * ، وقوله تعالى : * ( مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن * شَىْء ) * ، بناء على أن المراد بالكتاب اللّوح المحفوظ ، وهو أصحّ القولين ، والعلم عند اللَّه تعالى . * ( قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَانُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) * . قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة ( بني إسرائيل ) ، في الكلام على قوله تعالى : * ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ) * .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفّار : * ( وَمَا أَنَزلَ الرَّحْمَانُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) * ، قد بيَّن أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : * ( كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ
أضواء البيان — صفحة 292
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩٢