تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين : الأول : الجواب بأنه ليس في شئ من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها ، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه ، وأقرّها على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة ، وفي بعض روايات الحديث : أنها حسناء ، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها ، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرّها على ذلك ، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد ، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها ، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين . ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها ، ومما يوضح هذا أن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما الذي روي عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة ، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله ، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل ، وهو لم يقل له : إنها كانت كاشفة عن وجهها ، واطّلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا لاحتمال أن يكون رأى وجهها ، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها ، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها . فإن قيل : قوله : إنها وضيئة ، وترتيبه على ذلك بالفاء ، قوله : فطفق الفضل ينظر إليها ، وقوله : وأعجبه حسنها ، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها ، وينظر إليه لإعجابه بحسنه . فالجواب : أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا ، لا ينفكّ أنها كانت كاشفة ، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كذلك ، وأقرّها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال ، مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة ، وذلك لحسن قدّها وقوامها ، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط ، كما هو معلوم . ولذلك فسّر ابن مسعود : * ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) * ، بالملاءة فوق الثياب ، كما تقدم . ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب ، قول الشاعر : كما هو معلوم . ولذلك فسّر ابن مسعود : * ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) * ، بالملاءة فوق الثياب ، كما تقدم . ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب ، قول الشاعر : * طافت أمامة بالركبان آونة * يا حسنها من قوام ما ومنتقبا * فقد بالغ في حسن قوامها ، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا . الوجه الثاني : أن المرأة محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها ، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه ، وعليها ستره من الرجال في الإحرام ، كما هو معروف عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن ، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما ، والفضل منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم من النظر إليها ، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور . فإن قيل : كونها مع الحجاج مظنّة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة ؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج ، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال . فالجواب : أن الغالب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء ، فلا مانع عقلاً ولا شرعًا ولا عادة ، من كونها لم ينظر إليها أحد منهم ، ولو نظر إليها لحكي كما حكي نظر الفضل إليها ، ويفهم من صرف النبيّ صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها ، أنه لا سبيل إلى ترك