والأظهر عندي في قوله : * ( لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * ، أنه نوع من التوكيد يكثر مثله في القرءان العظيم ؛ كقوله : * ( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِم ) * ، ومعلوم أنهم إنما يقولون بأفواههم . وقوله تعالى : * ( فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) * ، ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) * ، وقوله تعالى : * ( حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . * ( وَتَوكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ ) * . قد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ، وتكون في الآية قرينة ، تدلّ على عدم صحته ، وذكرنا أمثلة متعدّدة لذلك في الترجمة ، وفيما مضى من الكتاب .
وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن قوله هنا : * ( وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ ) * ، قال فيه بعض أهل العلم المعنى : وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين ، أي : المؤمنين باللَّه كآدم ونوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل .
واستدلّ بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه ، بقوله تعالى عن إبراهيم : * ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ ) * ، وممّن روي عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي ، وفي الآية قرينة تدلّ على عدم صحة هذا القول ، وهي قوله تعالى قبله مقترنًا به : * ( الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) * ، فإنه لم يقصد به أن يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا ، وأوّل الآية مرتبط بأخرها ، أي : الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك ، وحين تقوم من فراشك ومجلسك ، ويرى * ( وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ ) * ، أي : المُصلِّين ، على أظهر الأقوال ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يتقلب في المصلّين قائمًا ، وساجدًا وراكعًا ، وقال بعضهم : * ( الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) * ، أي : إلى الصلاة وحدك ، و * ( وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ ) * ، أي : المصلّين إذا صلُّيت بالناس .
وقوله هنا : * ( الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) * ، يدلّ على الاعتناء به صلى الله عليه وسلم ، ويوضح ذلك قوله تعالى : * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ * فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) * .
أضواء البيان — صفحة 103
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٠٣