أي لا يقصورن في مضرتكم ، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي : ومنه قوله تعالى : * ( يَظْلِمُونَ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ) * أي لا يقصورن في مضرتكم ، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي :
* وأشمط عريان يشد كتافه
* بلام على جهد القتال وما ائتلا
*
وقول الآخر : وقول الآخر :
* وإن كنائنى لنساء صدق
* فما آلى بنى ولا أساءوا
*
فقوله : فما آلى بنى : يعني ما قصروا ، ولا أبطؤا والأول هو الأصح . لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة ، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف . وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولى القربى والمساكين والمهاجرين ، جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى : * ( وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ ) * أي لا تحلفوا بالله عن فعل الخير ، فإذا قيل لكم : اتقوا وبروا ، وأصلحوا بين الناس قلتم : حلفنا بالله لا نفعل ذلك ، فتجعلوا الحلف بالله سبباً للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية .
وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتين على المعنى المذكور ، وذكرنا ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : * ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الاْيْمَانَ ) * .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ) * فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا وأصل العفو : من عفت الريح الأثر إذا طمسته .
والمعنى : فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم ، والصفح ، قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق ، معرضين عنها . وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى : * ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط والعفو عن الناس ، من صفات أهل الجنة ، وكفى بذلك حثاً على ذلك . ودلت أيضاً : على أن ذلك من الإحسان الذي يجب الله المتصفين به وكقوله تعالى : * ( إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَو
أضواء البيان — صفحة 487
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٨٧