عليّ إن كان صادقًا فيما رماني به من الزنى ؛ كما هو واضح من نصّ الآية .
الجهة الثالثة : أن اللَّه بيَّن هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا ، ولم يبيّن ما أعدّ له في الآخرة ، ولكنّه بيّن في هذه السورة الكريمة ما أعدّ له في الدنيا والآخرة من عذاب اللَّه ، وذلك في قوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) * ، وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهنّ مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهنّ الكريمة .
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهنّ غافلان ثناء عليهن بأنهنّ سليمات الصدور نقيّات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن ، ليس فيهن دهاء ولا مكر ؛ لأنهن لم يجربن الأمرو فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء ، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء ، وتطلق العرب على المتّصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًّا ، ومنه قول حسّان رضي اللَّه عنه : وتطلق العرب على المتّصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًّا ، ومنه قول حسّان رضي اللَّه عنه :
* نفج الحقيبة بوصها متنضد
* بلهاء غير وشيكة الإقسام
*
وقول الآخر : وقول الآخر :
* ولقد لهوت بطفلة ميالة
* بلهاء تطلعني على أسرارها
*
وقول الآخر : وقول الآخر :
* عهدت بها هندًا وهند غريرة
* عن الفحش بلهاء العشاء نؤم
*
* رداح الضحى ميالة بحترية
* لها منطق بصبي الحليم رخيم
*
والظاهر أن قوله تعالى : * ( لُعِنُواْ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * ، محلّه فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا ، فإن تابوا وأصلحوا ، لم ينلهم شئ من ذلك الوعيد ، ويدلّ له قوله تعالى : * ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ) * إلى قوله : * ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ ) * .
وعمومات نصوص الكتاب والسنّة دالّة على أن من تاب إلى اللَّه من ذنبه توبة نصوحًا
أضواء البيان — صفحة 430
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٣٠