وأن الأجوبة التي أجابوا بها عن الاعتراضات الواردة عليه ، لا ينهض شيء منها لما قدمنا من أن الله بين في كتابه ، أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح والنحر ، فتفسيرها بأنها العشرة الأول ، يلزمه جواز الذبح في جميعها ، وعدم جوازه بعد غروب شمس اليوم العاشر ، وهذا كله باطل كما ترى .
وزعم المزني رحمه الله : أن الآية كقوله * ( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) * ظاهر السقوط ، لأن كون القمر كوكباً واحداً والسماوات سبعاً طباقاً قرينة دالة على أنه في واحدة منها دون الست الأخرى .
وأما قوله تعالى : * ( وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّ نْعَامِ ) * فظاهره المتبادر منه أن جميع الأيام المعلومات ظرف لذكر الله على الذبائح ، وليس هنا قرينة تخصصه ببعضها دون بعض . فلا يجوز التخصيص ببعضها ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وليس موجوداً هنا وتفسيرهم ذكر اسم الله عليها ، بأن معناه : أن من رأى هديا أو شيئاً من بهيمة الأنعام في العشر استحب له أن يكبر ، وأن ذلك التكبير هو ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، ظاهر السقوط كما ترى ، لأنه مخالف لتفسير عامة المفسرين للآية الكريمة ، والتحقيق في تفسيرها ما هو مشهور عند عامة أهل التفسير ، وهو ذكر اسم الله عليها عند التذكية ، كما دل عليه قوله بعده مقترناً به * ( فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ ) * . وقوله : * ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) * . وقوله : * ( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) * وتداخل الأيام لا يمنع من مغايرتها ، لأن الأعمين من وجه متغايران إجماعاً مع تداخلهما في بعض الصور .
ومما يبطل القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة المذكورة أن كونها العشرة المذكورة يستلزم عدم جواز الذبح بعد غروب شمس اليوم العاشر ، وهو خلاف الواقع لجواز الذبح في الحادي عشر والثاني عشر ، بل والثالث عشر عند الشافعية . والتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة : أن الأيام المعدودات : هي أيام التشريق التي هي أيام رمي الجمرات . وحكى عليه غير واحد الإجماع ، ويدل عليه قوله تعالى متصلاً به * ( فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) * ، وأن الأيام المعلومات : هي : أيام النحر ، فيدخل فيها يوم النحر واليومان بعده ، والخلاف في الثالث عشر ، هل هو منها كما مر تفصيله ، وقد رجع بعض أهل العلم أن الثالث عشر منها . ورجح بعضهم : أنه ليس منها .
أضواء البيان — صفحة 119
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١١٩