تنبيه
جرت العادة في القرآن : أن الله إذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( يَسْئَلُونَكَ ) * قال له * ( قُلْ ) * بغير فاء . كقوله : * ( وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ ) * ، وقوله تعالى : * ( يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ) * ، وقوله : * ( يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ ) * ، وقوله * ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) * ، وقوله : * ( يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) * إلى غير ذلك من الآيات ، أما في آية ( طه ) هذه فقال فيها : * ( فَقُلْ يَنسِفُهَا ) * بالفاء . وقد أجاب القرطبي رحمه الله عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه : * ( وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ) * أي عن حال الجبال يوم القيامة ، فقل . جاء هذا بفاء ، وكل سؤال في القرآن ( قل ) بغير فاء إلا هذا . لأن المعنى : إن سألوك عن الجبال فقل ، فتضمن الكلام معنى الشرط ، وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال . وتلك أسئلة تقدمت ، سألوا عنها النَّبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال . فلذلك كان بغير فاء . وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه انتهى منه . وما ذكره يحتاج إلى دليل ، والعلم عند الله تعالى .
* ( فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً * يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً * وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ) * قوله تعالى : * ( فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) * . الضمير في قوله : * ( فَيَذَرُهَا ) * فيه وجهان معروفان عند العلماء :
أحدهما أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر . ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى : * ( مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ) * ، وقوله : * ( مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ) * فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر . وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن بإيضاح في سورة ( النحل ) فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
والثاني أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها لأنها مفهومة من ذكر الجبال . والمعنى : فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعاً صفصفاً . والقاع : المستوى من الأرض . وقيل : مستنقع الماء . والصفصف : المستوى الأملس
أضواء البيان — صفحة 98
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٩٨