أي طالبه . قوله تعالى : * ( إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن فرعون لعنة الله لما قال للسحرة ما قال لما آمنوا ، قالوا له : * ( إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ) * يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي * ( وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) * أي ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر . وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع . كقوله تعالى في ( الشعراء ) عنهم : * ( إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) * ، وقوله عنهم في ( الأعراف ) : * ( رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) * . وفي آية ( طه ) هذه سؤال معروف ، وهو أن يقال : قولهم * ( وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) * يدل على أنهم أكرههم عليه ، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين ، كقوله في ( طه ) : * ( فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى قَالُواْ إِنْ هَاذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ) * . فقولهم : * ( فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً ) * صريح في أنهم غير مكرهين . وكذلك قوله عنهم في ( الشعراء ) : * ( قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لاّجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * ، وقوله في ( الأعراف ) : * ( قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين .
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة :
( منها ) أنهم أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم ، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين ، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر ، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر ، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض ، ويدل لهذا قوله : * ( وَابْعَثْ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ) * ، وقوله : * ( وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ) * .
( ومنها ) أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم ، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر . ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين .
أضواء البيان — صفحة 66
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٦٦