مجزوم بشرط مقدر ، دل عليه الطلب على الأصح : أي إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك . وإنما قال ( يَأْتُوكَ ) لأن المدعو يتوجه نحو الداعي ، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج ، لأن نداء إبراهيم للحج : أي يأتوك ملبين دعوتك ، حاجين بيت الله الحرام ، كما ناديتهم لذلك ، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه : أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم .
ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج ، وعلى قول الجمهور ، فوجوب الحج بها على هذه الأمة ، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، كما أوضحناه في سورة المائدة ، مع أنه دلت آيات أخر ، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضاً على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى : * ( وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) * وقوله تعالى : * ( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) * وقوله تعالى : * ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) * .
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية . وقوله : * ( يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) * . قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء . إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً ، لأنه قدمهم في الذكر ، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم : وقال وكيع ، عن أبي العميس ، عن أبي حلحلة ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس قال : ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً ، لأن الله يقول * ( يَأْتُوكَ رِجَالاً ) * .
والذي عليه الأكثرون : أن الحج راكباً أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه حج راكباً مع كمال قوته صلى الله عليه وسلم . انتهى منه .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : اعلم أنه قد تقرر في الأصول : أن منشأ الخلاف في هذه المسألة ، التي هي : هل الركوب في الحج . أفضل ، أو المشي ؟ ونظائرها كون أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى الجبلة والتشريع ثلاثة أقسام :
القسم الأول : هو الفعل الجبلي المحض : أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها ، كالقيام ، والقعود ، والأكل ، والشرب ، فإن هذا لم يفعل التشريع والتأسي ، فلا يقول أحد : أنا أجلس وأقوم تقرباً لله ، واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان يقوم ويجلس لأنه لم يفعل ذلك للتشريع والتأسي . وبعضهم يقول : فعله الجبلي يقتضي الجواز ، وبعضهم
أضواء البيان — صفحة 300
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٠٠