َلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الاٍّ ولَى ) * كما أوضحنا . والعلم عند الله تعالى . ويزيد ذلك إيضاحاً الحديث المتفق عليه : ( ما من نبي مِنَ الأنبياءِ إلا أُوتي ما آمَنَ البشر على مِثْلِه ، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابِعاً يومَ القيامةِ ) وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا . قوله تعالى : * ( وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ) * . قد قدمنا في سورة ( النساء ) أن آية ( طه ) هذه تشير إلى معناها آية ( القصص ) التي هي قوله تعالى : * ( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * وأن تلك الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير هي المذكورة في قوله تعالى : * ( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * . فقوله تعالى : * ( قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ) * . أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة : أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عناداً وتعنُّتاً : كل منا ومنكم متربِّص ، أي منتظر ما يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة . وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون كله خير ، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار . كقوله تعالى : * ( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ ) * ، وقوله : * ( وَمِنَ الاٌّ عْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . والتربص : الانتظار . قوله تعالى : * ( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار سيعلمون في ثاني حال مَن أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى . أي وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك . وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار . والمعنى : سيتضِح لكم أنا مُهتدون ، وأنا على صراط مستقيم ، وأنكم على ضلال وباطل . وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة ، ويظهر لهم في الدنيا لِما يرونه من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم .
أضواء البيان — صفحة 131
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٣١