معروفاً ، وهو أن يقال : إبليس قد أخرج من الجنة صاغراً مذموماً مدحوراً ، فكيف أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم ؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية ، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة ، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك . وكل ذلك من الإسرائيليات . والواقع أنه لا إشكال في ذلك ، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة ، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه ، لا لكرامة إبليس . فلا محال عقلاً في شيء من ذلك . والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم ، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك . وقوله في هذه الآية الكريمة * ( عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) * أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود . لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالداً لا يموت ولا يزول ، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا ينفى ولا ينقطع . وقد قدمنا أن قوله هنا * ( وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى ) * يدل لمعنى قراءة من قرأ * ( إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ) * ) بكسر اللام . وقوله * ( أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) * هو معنى قوله في ( طه ) : * ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) * .
والحاصل أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء : أنهما إلى أن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك ، وصارا ملكين ، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك ، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور . وفي القصة : أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب ، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة .
تنبيه
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف عدى فعل الوسوسة في ( طه ) بإلى في قوله * ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ) * مع أنه عداه في ( الأعراف ) باللام في قوله * ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ) * . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة .
أحدها أن حروف الجر يخلف بعضها بعضاً . فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك .
قال الجوهري في صحاحه : وقوله تعالى : * ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ) * يريد إليهما ، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل ا ه . وتبعه ابن منظور في اللسان . ومن الأجوبة عن ذلك : إرادة التضمين ، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية
أضواء البيان — صفحة 111
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١١١