منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك . كما قال هنا : * ( وَعَصَىءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) * ثم أتبع ذلك بقوله : * ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) * .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) * يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال الله فيهم * ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) * وهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هم جميع الرسل . وعن ابن عباس وقتادة * ( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) * أي لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر . وأقوال العلماء راجعة إلى هذا ، والوجود في قوله : * ( لَمْ * نَجِدْ ) * قال أبو حبان في البحر : يجوز أن يكون بمعنى العلم ، ومفعولاه * ( لَهُ عَزْماً ) * وأن يكون نقيض العدم . كأنه قال : وعند مناله عزماً ا ه منه . والأول أظهر ، والله تعالى أعلم . قوله تعالى : * ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى . أي أبى أن يسجد . فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار . وذكر عنه الإباء أيضاً في ( الحجر ) في قوله : * ( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) * . وقوله في آية ( الحجر ) هذه * ( أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) * يبين معمول ( أبى ) المحذوف في آية ( طه ) هذه التي هي قوله * ( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى ) * أي أبى أن يكون مع الساجدين ، كما صرح به في ( الحجر ) وكما أشار إلى ذلك في ( الأعراف ) في قوله : * ( إِلاَ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ) * وذكر عنه في سورة ( ص ) الاستكبار وحده في قوله : * ( إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) * ، وذكر عنه الإباء والاستكبار معاً في سورة ( البقرة ) في قوله : * ( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) * . وقد بينا في سورة ( البقرة ) سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور . وقد بينها في سورة ( الكهف ) كلام العلماء فيه . هل أصله ملك من الملائكة أولا ؟
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ) * صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم ، وذلك في قوله
أضواء البيان — صفحة 106
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٠٦