( ( سورة مريم ) )
* ( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِن وَرَآئِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) * قوله تعالى : * ( كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ) * . قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور . كقوله هنا : * ( كهيعص ) * في سورة ( هود ) فأغنى عن إعادته هنا . وقوله * ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ) * خبر مبتدأ محذوف . أي هذا ذكر رحمة ربك . وقيل : مبتدأ خبره محذوف ، وتقديره : فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك ، والأول أظهر . والقول بأنه خبر عن قوله ( كهيعص ) ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما . وقوله : * ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ) * لفظة ( ذكر ) مصدر مضاف إلى مفعوله . ولفظة ( رحمة ) مصدر مضاف إلى فَاعله وهو ( ربك ) . وقوله * ( عَبْدِهِ ) * مفعول به للمصدر الذي هو ( رحمة ) المضاف إلى فاعله ، على حد قوله في الخلاصة : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ) * لفظة ( ذكر ) مصدر مضاف إلى مفعوله . ولفظة ( رحمة ) مصدر مضاف إلى فَاعله وهو ( ربك ) . وقوله * ( عَبْدِهِ ) * مفعول به للمصدر الذي هو ( رحمة ) المضاف إلى فاعله ، على حد قوله في الخلاصة :
* وبعد جره الذي أضيف له
* كمل بنصب أو برفع عمله
*
وقوله ( زكريا ) بدل من قوله ( عبده ) أو عطف بيان عليه .
وقد بين جل وعلا في هذه الآية : أن هذا الذي يتلى في أول هذه السورة الكريمة هو ذكر الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفياً أي دعاء في سر وخفية . وثناؤه جل وعلا عليه يكون دعائه خفياً يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه . وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى : * ( قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) * ، وقوله تعالى : * ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) * . وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص ، وأبعد من الرياء . فقول من قال : إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد ، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر
أضواء البيان — صفحة 359
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٥٩