. وهذا الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من أنه يقول للناس أنه بشر ، ولكن الله فضله على غيره بما أوحى إليه من وحيه جاء مثله عن الرسل غيره صلوات الله وسلامه عليهم في قوله تعالى : * ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) * . فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم واحد ، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية لا ينافي تفضيلهم على سائر البشر بما خصهم الله به من وحيه واصطفائه وتفضيله كما هو ضروري .
وقال بعض أهل العلم : معنى هذه الآية قل يا محمد للمشركين : إنما أنا بشر مثلكم ، فمن زعم منكم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به ، فإنني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف . وخبر ذي القرنين . وهذا له اتجاه والله تعالى أعلم . قوله تعالى : * ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا ) * . قوله في هذه الآية : * ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ ) * يشمل كونه يأمل ثوابه ، ورؤية وجهه الكريم يوم القيامة ، وكونه يخشى عقابه . أي فمن كان راجياً من ربه يوم يلقاه الثواب الجزيل والسلامة من الشر فليعمل عملاً صالحاً . وقد قدمنا إيضاح العمل الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها ، فأغنى عن إعادته هنا .
وقوله : * ( وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا ) * قال جماعة من أهل العلم . أي لا يرائى الناس في عمله ، لأن العمل بعبادة الله لأجل رياء الناس من نوع الشرك ، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك . وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة . وقد ساق طرفها ابن كثير في تفسير هذه الآية . والتحقيق أن قوله : * ( وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا ) * أعم من الرياء وغيره ، أي لا يعبد ربه رياء وسمعة ، ولا يصرف شيئاً من حقوق خالقه لأحد من خلقه ، لأن الله يقول : * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) * في الموضعين ، ويقول : * ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات .
ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة : أن الذي يشرك أحداً بعبادة ربه ، ولا يعمل صالحاً أنه لا يرجو لقاء ربه ، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله يوم القيامة .
وهذا المفهوم جاء مبيناً في مواضع أخر ، كقوله تعالى فيما مضى قريباً : * ( أُوْلَائِكَ
أضواء البيان — صفحة 356
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٥٦