من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي . فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في ( الزخرف ) : * ( وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَاذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) * . أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين . وقوله تعالى في سورة ( الدخان ) : * ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) * * ( أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) * ، وقوله تعالى في آخر ( القصص ) : * ( وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) * . ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى : * ( وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) * ، وقوله : * ( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها . والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف . ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه : * ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ) * أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا . وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي ، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا . ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر ، وتعييب سفن الناس بخرقها . لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى . وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى : * ( قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ ) * و ( إنما ) صيغة حصر . فإن قيل : قد يكون ذلك عن طريق الإلهام ؟ فالجواب أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء ، لعدم العصمة ، وعدم الدليل على الاستدلال به . بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به ، وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره ، وما يزعمه بعض الجبرية أيضاً من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى : * ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ ) * ، وبخبر ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) كله باطل لا يعول عليه ، لعدم اعتضاده بدليل . وغير المعصوم لا ثقة بخواطره ، لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان . وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع ، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات . والإلهام في الاصطلاح : إيقاع شيء
أضواء البيان — صفحة 323
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٢٣