الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة ، كقوله : * ( وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) * . وقال بعض العلماء : الضمير في قوله : * ( مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ ) * راجع لأهل السماوات والأرض المفهومين من قوله تعالى : * ( لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضِ ) * وقيل : الضمير في قوله ( ما لهم ) راجع لمعاصري النَّبي صلى الله عليه وسلم من الكفار . ذكره القرطبي . وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا ، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة ، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا ) * . قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر ( ولا يشرك ) بالياء المثناة التحتية ، وضم الكاف على الخبر ، ولا نافية والمعنى : ولا يشرك الله جل وعلا أحداً في حكمه ، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة ، فالحلال ما أحله تعالى ، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه . والقضاء ما قضاه . وقرأه ابن عامر من السبعة . ( ولا تشرك ) بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي ، أي لا تشرك يا نبي الله . أو لا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله جل وعلا ، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم . وحكمه جل وعلا المذكور في قوله : * ( وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا ) * شامل لكل ما يقضيه جل وعلا . ويدخل في ذلك التشريع دخولاً أولياً .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبيناً في آيات أخر . كقوله تعالى : * ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) * وقوله تعالى : * ( وَقَالَ يابَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) * ، وقوله تعالى : * ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ ) * ، وقوله تعالى : * ( كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( لَهُ الْحَمْدُ فِى الاٍّ ولَى وَالاٌّ خِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * ، وقوله : * ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) * . وقوله تعالى : * ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ الَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) * ، إلى غير ذلك من الآيات .
أضواء البيان — صفحة 258
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٥٨