وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها . لأنه تعالى صرح بأنها رجس ، وأنها من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها أمراً جازماً في قوله * ( فَاجْتَنِبُوهُ ) * واجتناب الشيء : هو التباعد عنه ، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه . وعلق رجاء الفلاج على اجتنابها في قوله : * ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * ويفهم منه أنه من لم يجتنبها لم يفلح ، وهو كذلك .
ثم بين بعض مفاسدها بقوله : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَواةِ ) * . ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) * فهو أبلغ في الزجز من صيغة الأمر التي هي ( انتهوا ) وقد تقرر في فن المعاني : أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد لها الأمر . كقوله : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) * ، وقوله : * ( وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالاٍّ مِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ ) * . أي أسلموا . والجار والمجرور في قوله : * ( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ ) * يتعلق ب * ( تَتَّخِذُونَ ) * وكرر لفظ ( من ) للتأكيد ، وأفرد الضمير في قوله ( منه ) مراعاة للمذكور . أي تتخذون منه ، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب . ونظيره قول رؤبة : وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ ) * يتعلق ب * ( تَتَّخِذُونَ ) * وكرر لفظ ( من ) للتأكيد ، وأفرد الضمير في قوله ( منه ) مراعاة للمذكور . أي تتخذون منه ، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب . ونظيره قول رؤبة :
* فيها خطوط من سواد وبلق
* كأنه في الجلد توليع البهق
*
فقوله ( كأنه ) أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق . وقيل : الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه . أي ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ، أي عصير الثمرات المذكورة وقيل : قوله * ( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ ) * معطوف على قوله * ( مِّمَّا فِى بُطُونِهِ ) * أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل . وقيل : يتعلق ب * ( نُّسْقِيكُمْ ) * محذوفة دلت عليها الأولى . فيكون من عطف الجمل . وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل . وقيل : معطوف على ( الأنعام ) وهو أضعفها عندي .
وقال الطبري : التقدير : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكراً . فحذف ( ما ) .
قال أبو حيان ( في البحر ) : وهو لا يجوز على مذهب البصريين . وقيل : يجوز أن يكون صفة موصوف محذوف ، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه .
أضواء البيان — صفحة 405
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٠٥