Skip to main content

الملل والنحل — Page 264

Contributors:

P.264
وكان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة والعلم فتلطفوا حتى صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير والشر ويحبرون بذلك فيزيدهم ذلك حرصا على رياضة الفكر وقهر النفس الأمارة بالسوء واللحوق بما لحق به أصحابهم ومذهبهم في الباري تعالى أنه نور محض إلا أنه لابس جسدا ما يستتر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه وإذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه ويزعمون أنهم كالسبايا في هذا العالم فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلى ومن لم يمنعها بقي أسيرا في بدنها والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر والعجب وتسكين الشهوة والحرص والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها الإسكندر في الهند ولما وصل الإسكندر إلى تلك الديار وأراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة أحد الفريقين وهم الذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر القصد الذي لا يخرج إلى فساد البدن فجهد حتى فتحها وقتل منهم جماعة من أهل الحكمة فكانوا يرون جثث قتلاهم مطروحة كأنها جثثث السمك الصافية النقية التي في الماء الصافي فلما رأوا ذلك ندموا على فعلهم ذلك بهم وأمسكوا عن الباقين والفريق الثاني وهم الذين زعموا أن لا خير في اتخاذ النساء والرغبة في النسل ولا في شيء من الشهوات الجسدانية كتبوا إلى الإسكندر كتابا مدحوه فيه على حب الحكمة وملابسة العلم وتعظيم أهل الرأي والعقل والتمسوا منه حكيما يناظرهم فنفذ إليهم واحدا من الحكماء فنضلوه بالنظر وفضلوه بالعمل فانصرف الإسكندر عنهم ووصلهم بجوائز سنية وهدايا كريمة فقالوا إذا كانت الحكمة تفعل بالملوك هذا الفعل في هذا العالم