Skip to main content

الملل والنحل — Page 254

Contributors:

P.254
السعادة والجزئية من النحوسة وكذلك سائر الكواكب لها طبائع وخواص فالروم يحكمون من الطبائع والهند يحكمون من الخواص وكذلك طبهم فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبائعها والروم تحالفهم في ذلك وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول فالصور من المحسوسات ترد عليه والحقائق من المعقولات ترد عليه أيضا فهو مورد العلمين من العالمين فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضيات البليغة والاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد الفكر هن هذا العالم تجلى له ذلك العالم فربما يخبر عن مغيبات الأحوال وربما يقوى على حبس الأمطار وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال ولا يستعبد ذلك فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم أليست إصابة العين تصرف الوهم في الشخص أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية والوهم إذا تجرد عمل أعمالا عجيبة ولهذا كانت الهند تغمض عينها أياما لئلا يشتغل الفكر والوهم بالمحسوسات ومع التجرد إذا اقترن به وهم اخر اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكاد ثقله ومنهم البكر نتينية يعنى المصفدين بالحديد وسنتهم حلق الرؤوس واللحى وتعرية الأجسام ما خلا العورة وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم لئلا تنشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن وكثرة العلم كيف توجب ذلك