الهم الذي نغض روحها ونخر عظامها ، وأشعل نيران الحرقة في كيانها ، ولذلك نرى أن خطبتها اتخذت طابعاً ملتهباً دموياً لأنها نبعت من قلبٍ محترقٍ فاض بدم الأسى والحسرة .
من عجائب هذه الخطبة هي أن هذه السيدة الجليلة عليه السلام قد لاقت الكثير من الظلم العنيف في الفترة الواقعة ما بين وفاة أبيها صلى الله عليه وآله واستشهادها عليه السلام ، ذلك الظلم الذي كان سبب مرضها العصيب ، ورغم أن سؤال نساء المدينة عند عيادتها كان يدور حول حالتها الصحية ، وعادةً يشكو المريض بعضاً من آلامه إن لم يكن حديثه كله مختصاً بحالته الصحة ، رغم كان ذلك فإنها لم تورد في حديثها أي كلمةٍ عن حالها ومرضها ، بل كان حديثها منصباً على مسألة غصب الخلافة وظلامة علىٍّ عليه السلام ، والأخطار التي ستمر بالأمة الإسلامية نتيجة هذا الانحراف .
عجباً لها ، فلم تذكر في حديثها شيئاً عن مرضها ، فكل ما قالته كان عن ألم زوجها علي عليه السلام وعن مشاكل العالم الإسلامي .
نعم . . . لقد كانت روح الزهراء عليها السلام أرفع من أن تتكلم عن نفسها وآلامها - رغم أنها كانت كبيرة - بل وأجلُّ من أن يوصف علو شأنها ، فتكلمت فقط عن إمامها وزوجها المحبوب علي عليه السلام وآلامه .
لم تكن قلقة عى نفسها ، بل كانت قلقةً على الأمة الإسلامية ومصيرها المشؤوم والمؤلم .
يفكر المرء عادةً في آخر لحظات حياته بنفسه ومشاكله وآلامه ، لكنّ المدهش أن فاطمة عليها السلام لم تورد على لسانها في هذه الخطبة الطويلة شيئاً من ذلك ، ولا حتى بجملةٍ واحدة .
وهذا أكبر دليل على عظمة فاطمة عليها السلام ومقام تضحيتها وإيثارها .
الزهراء ( ع ) سيدة نساء العالمين — صفحة 148
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٨